قضايا ومتابعات

لماذا أرجأ أردوغان هجومه على شرق الفرات؟
مناطق نت

الإجابة على سؤال لماذا التأجيل التركي للعملية العسكرية التي كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد هدد منذ أسبوع بإطلاقها ضد “قسد”، تلقي الاضواء على التبدلات والتغيرات المقبلة التي ستنجم عن  قرار البيت الأبيض ببدء الانسحاب من سوريا. وإرجاء أنقرة عمليتها العسكرية يأتي في سياق تفاهم وتنسيق مع واشنطن، فالانسحاب يعني استغناء الإدارة الأميركية عن خدمات أكراد سوريا، إن في محاربة داعش أو استخدامهم للتصدي للميليشيات الحليفة لإيران أو للضغط على النظام السوري وإجباره على تقديم تنازلات دستورية وإصلاحية.

التأجيل التركي يخدم في جانب منه قرار الانسحاب الأميركي، وكذلك في جوانب أخرى يستجيب ظرفيا لخلط الأوراق الناجمة عن هذا الانسحاب.

كانت قد أكدت تقارير إعلامية أن الجيش التركي لن يستغل خروج الأميركيين من شرق الفرات، ويعمد إلى التوغل ضمن الأراضي السورية، لكن ما يجب التوقف عنده، هو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان مجبرا على مثل هذا “التعقل”، لأن بين قرار الهجوم وقرار الإرجاء، ولو كانت المسافة الزمنية قصيرة جدا، وقعت تبدلات كبيرة بالحسابات لدى جميع أطراف الأزمة السورية.

بداية الإرجاء، سببه عدم  وجود خطر على الأراضي التركية، كون “قسد” خطرها سياسي ولا تشكل تهديدا عسكريا لتركيا، وإضافة أن هناك ما يكفي القوات التركية لصد اي “اعتداء”.

الإرجاء يخدم قرار الانسحاب الأميركي، لأن اي حرب تقع بعده مباشرة يسقط فيها ضحايا من الأكراد (الذين هم حلفاء أميركا للتو)، سترتد إدانة أخلاقية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتهم في بلده بجريمة أخلاقية أخرى ما زالت عالقة على يديه، وهي تورطه في التستر على قتلة الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

والإرجاء، ما كان ليتخذه أردوغان لولا تراجع هواجسه من ظهور كيان كردي مستقل على حدود بلده، مثل هذه الهواجس كانت موجودة عندما كانت القوات الكردية تحظى بحماية أميركية وتتلقى منها الدعم بالعتاد والمال وعندما كانت تنوي واشنطن تأسيس جيش كردي لحفظ الأمن، إضافة إلى إسناد مهمات استراتيجية للأكراد، لكن مع الخروج الأميركي، لم يعد يشغل بال أكراد سوريا سوى النجاة بأنفسهم.

الإرجاء أيضا، يهدىء من روع أكراد سوريا، ويشجعهم على متابعة مهمتهم الأميركية في محاربة “داعش”، فقد حذر قادة الاكراد، بأن أي هجوم تركي عليهم سيؤدي إلى تقوية “داعش”، وهو تهديد ضمني بإخلاء جبهات القتال مع هذا التنظيم في دير الزور وإطلاق السجناء الإرهابيين من معسكراتهم بحجة عدم القدرة على السيطرة عليهم في ظل عمليات عسكرية تركية تستهدفهم.

كما أن طمأنة الأكراد بالإرجاء، يخفف من اندفاعتهم للارتماء بأحضان النظام في دمشق وحلفائه الإيرانيين والروس، لأن عودتهم للحكومة المركزية بشروط دمشق، هي بمثابة إضعاف للدور التركي في الأزمة الداخلية السورية، ويقلل من حجم حصتها عندما يحين إعادة تركيب الحل في سوريا.

الى هذا، اي دخول تركي للأراضي السورية، سيكون بمثابة عملية احتلال صريحة، ولا يمكن مقارنتها بالدخول التركي إلى مدينة الباب أو منطقة عفرين، حيث كان هناك تفاهم مع الإيرانيين والروس، وبدون مثل هذا التفاهم سيؤدي إلى مواجهة مع الجيش السوري وحلفائه، وإلى تخريب تفاهمات استانا وسوتشي، وبالتالي فتح أبواب الفوضى الشاملة في المنطقة.

الإرجاء أو التأجيل يعني ايضا رهان تركيا، على حل مؤقت يتيح لمعارضي النظام من الأكراد ومن الفصائل المعارضة الأخرى، تشكيل حزام فصل بين “قسد” وبين الحدود التركية، وستكون هذه الخطوة الأولى من جانب أنقرة لخلق صدام بين الأكراد أنفسهم، يمكن لها استثماره فيما بعد.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق