ذاكرة وأمكنة

ابن أنصار أبو أنور.. رحيل المتمرّد الأخير
زهير دبس

حين بلغني خبر وفاة ابن بلدتي أنصار  أبو أنور (طلعت ابراهيم فياض) إبن الخامسة والتسعون تنازعتني فكرتان الأولى هي الندم على تقاعسي أكثر من مرة في إجراء مقابلة مطولة معه، والثانية كيف يستطيع المرء أن يتحوّل إلى علامة فارقة في بيئته المجتمعية وأن يصبح عنواناً ومرجعاً في الكثير من القضايا. في الأولى ندمت حيث لا ينفع الندم وفي الثانية رحت أجول في سيرة ومسيرة هذا الرجل الذي صنع من ثورته على كل شيء علامة فارقة طبعت حياته ولفتت كل من تعرّف إليه.

لم يشذ أبو أنور عن العديد من أبناء جلدته الذين ينتمون إلى بيوتات دينية وإقطاعية وخرجوا عن طوعها ملتحقين بأفكار قومية ويسارية بدأت تغزو حينها الجنوب وقراه ومدنه وتصيب تلك العائلات، فانتمى باكراً إلى الفكر اليساري وبقي حتى الرمق الأخير متمسكاً ومبادئه. لكن بعيداً عن ذلك الفكر عشق أبو أنور الشعر والأدب فتذوقهما ونظمهما فحفظ الكثير منهما ونظم العديد من القصائد التي ظل يرددها في مجالسه دون كلل أو ملل لافتاً بذلك مستمعيه الذين كانوا يطلبون المزيد والمزيد. من تلك القصائد التي نظمها أبو أنور وانتشرت على مواقع التواصل صوتاً وصورة ويقول في بدايتها إذا أردت أن تسمع قصيدة تعني حياة الإنسان من ولادته حتى وفاته فاسمع ماذا أقول:

إبن عشرٍ من السنين غلامٌ فرغ الذيل ثغره بسام.

عتلٌ غافلٌ سريع حراكٍ دأبه الغيظ والرضا والخصام

وابن عشرين للصبا والتصابي ليس يثنيه عن هواه ملام.

حُبب الأكل والشراب إليه وصنوف اللذات وهي حرام.

والثلاثون همة وشباب وهيام ولوعة وغرام.

فإذا زاد بعد ذلك عشراً فكمال وهيبة وتمام.

وابن خمسين مر عنه صباه فيراه كأنه أحلام.

وابن ستين سيَّرته الليالي هدفاً للمنون وهي سهام.

وابن سبعين لا تسالني عنه فابن سبعين لا عليه كلام.

وإذا زاد بعد ذلك عشراً بلغ الغاية التي لا ترام.

وابن تسعين أقعدته الليالي واعترته وساوس وسقام.

وإذا زاد بعد ذلك عشراً فهو حيٌ كميتٍ والسلام.

ليست المبادئ والأفكار هي كل ما ميّز أبو أنور فشخصيته القوية وجرأته المنقطعة النظير في طرح القضايا هي التي جعلت منه متمرداً وثائراً طوال حياته، ولم تمنعه سنواته الخمس وتسعون من المجاهرة بها وطرحها في كل مجالسه وفي كل مكان، حيث كانت تثير الدهشة والاستغراب في بيئته التي ظلت وبالرغم من تحفظها على تلك الأفكار كانت تجد فيه قيمة مضافة لبلدته ولتاريخها الذي شهد عليه أبو أنور وكان جزءاً جميلاً منه. وهو قال فيها:

رزق الله زمان العين كيف كنا
من العين كانت كل ميّتنا
كنا نعيش بفرد قلب ورب
وبفرد رأي تضل ضيعتنا

لم يكن أبو أنور ملفتاً بأفكاره وبحبه للشعر والأدب فقط، بل كان عاملاً زراعياً نشيطاً فهو أول من أدخل زراعة الكرمة إلى بلدته التي صار مرجعاً بزراعتها والاعتناء بها، فكرم العنب الذي كان يملكه في أنصار كان علامة فارقة ليس في البلدة فحسب بل في المنطقة كلها، ولا زلت أذكر وكنا صغاراً أثناء المرور بالقرب من ذلك الكرم، الترتيب والجمال والعناقيد التي تتدلّى ذهبية صفراء، ولا زلت أذكر أيضاً ذلك المدفع الأوتوماتيكي الذي أحضره أبو أنور ووضعه في منتصف الكرم حيث كان يطلق طلقة كل دقائق لكي يبعد العصافير عن العنب حفاظاً على المنتوج الذي اشتهر به أبو أنور وكان نخباً لا يضاهيه به أحداً.

بقبعته المستديرة التي كان يرتديها أثناء العمل والتي تشبه قبعات الجيش الأسترالي في الحرب العالمية الثانية، وبسيارته الفولفو التي اشتراها بسبعة آلاف وخمسمائة ليرة في العام ١٩٦٤ صنع أبو أنور صورة نمطية خاصة به، وهو بقي على هذه الحال حتى الأشهر الأخيرة قبل رحيله، بقي يقود تلك السيارة وبقي ينزل إلى الكرم ويعتني به.

لم تنل السنوات الـ ٩٥ التي عاشها أبو أنور من عزيمته ومن ذاكرته المتوقدة والمستفيضة التي كان يستحضرها في مجالسه، فكان يروي بأدق التفاصيل حقبات مهمة كان له فيها صولات وجولات وهي كنز من المعلومات التاريخية التي حفظها أبو أنور وبقي يرددها حتى الرمق الأخير. من الاجتماعات السرّية في أواخر الخمسينيات حيث كان الحزب الشيوعي محظوراً إلى لقاءاته بشخصيات مثل الأب طانيوس منعم، وجورج حنّا، والشيخ عبد الله العلايلي وغيرهم، لكن تبقى العلاقة التي نسجها أبو أنور مع الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي مميزة وطريفة وهو زاره في منزله في أنصار وكانت سهرة جاد فيها الصافي أشعاراً وأقوالاً ولتلك الزيارة التي رسخت في ذاكرة أنصار وتناقلتها الأجيال حادثة طريفة، حيث هجا النجفي في ختامها أنصار اعتراضاً على أحد المشاركين في الجلسة ونرجيلته التي خربت السهرة.

بالإضافة إلى صورته النمطية التي اعتمدت على قبعته المستديرة وسيارته الفولفو والسبحة التي لا تفارق يديه في جلساته، كان الوقت بالنسبة إلى أبو أنور مسألة مقدسة ممنوع التلاعب أو الاستهتار بها فالموعد موعد، وهو إضافةً إلى السلوك الصارم والالتزام بالقوانين مسألة أساسية في حياة أبو أنور الذي كان يتمتع بوجه ريفي وسلوك أوروبي خالص.

صورة أبو أنور وسيرته تبقيان ناقصتان ما لم نتحدث عن شهادة السرتيفيكا التي نالها في أواسط الثلاثينيات من مدرسة المقاصد في صيدا، وأيضاً عن ذلك المنزل الذي ولد فيه في العام ١٩٢٤ وورثه عن والده الذي كان مديراً لناحية أيام الفرنسيين، فالمنزل الذي يتربع على تلة من تلال البلدة ويكسوه القرميد يقول لك أن حكاية ما وتاريخا غنيا لا زال يحفظهما ذلك المنزل وتختبئان خلف حجارته، فها هنا قصيدة ترقد فوق الباب ألّفها الشيخ أحمد الجمّال وخطّها على الجدار خطّاط من صيدا اسمه جميل قطب، وهناك رسومات لمناظر طبيعية وأعلام عربية رسمها المرحوم مهيب البزري. وبين هذه وتلك، سِيَرٌ وحكايا للكثير من الأحداث والوقائع جرت تحت سقف ذلك المنزل.

مع رحيل أبو أنور تطوي أنصار صفحة غنية من تاريخها، فلطالما شكل الرجل علامة فارقة في نسيجها المجتمعي، وشكل في الوقت عينه ظاهرة فريدة بصورتها النمطية وبسلوكها الملفت. رحل أبو أنور لكن كرم العنب الذي كان توأم روحه سيبقى شاهداً عليه، يتدلى عناقيد ذهبية تحكي سيرة رجل عاش حراً متمرداً وكذلك رحل.

برحيله تبقى سيارة الفولفو وتلك القبعة التي لطالما تميز بهما أبو أنور صورة مميزة تطبع ذاكرة أنصار وتبقى القصائد والأشعار التي رددها دون انقطاع ولم تنشر محفورة في وجدان أهالي بلدته وبين عناقيد الكرم التي ستبقى تقطر عشقاً وترشح حلاوة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق