ثقافات

منارة في “المنارة”…الشيخ نجيب أبو شاهين: شاعر القدس وعبد الناصر والعبور
– خالد صالح

تؤنسك جلسته، تُدهشك ذاكرته، تشعربالكلمات تتموسق وبالحروف تتعملق وهي تُعربش على صوته المجبول بماء الزمن، يأخذك حبه للعروبة وللغة العربية إلى ذلك العمق التاريخي البهيج، إلى تلك الحقبة الزاخرة بالمجد والعنفوان، يحنُّ إلى زمن الثورات العربية المجيدة، حتى تكاد ترى في عينيه بريق ” الحنين ” يلمع كبرق في ليلٍ كالح ..
الشيخ نجيب أبو شاهين لم يكن إماماً لبلدته المنارة في البقاع الغربي ( حمّارة سابقاً ) فحسب، أو إماماً لمسجد بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كان ” شيخ الشعراء “، ولطالما إهتزت تحت أقدامه المنابر، وصدح صوته يلامس أعماق الوجدان، له صولات وجولات في ميدان الشعر العربي، إستمدّ من حقبات الشعر المجيدة نظرته لهذا الفن الراقي، ليقدّم شعراً يحملك إلى زمن المعلقات، أسلوباً ومضموناً وصياغة فريدة ..
يقول :
ألا ليت شعري من تراني أخاطبه زماناً مضى لهواً وجهلاً أعاتبه
أمّ النفس إن النفـس خصم مقنّع وأمّــارة بالســوء دومـاً تُحاربه ..
هو إبن بلدة المنارة في البقاع الغربي من مواليد العام 1936، تلقى علومه الأولية في مدرسة البلدة، ثم إنتقل إلى مدرسة الفتح الإسلامي في دمشق لمتابعة علومه الدينية، ومنذ نعومة أظافره أحب الشعر قراءة وإلقاء، لأن الشعر يمدّه ويمدّ سامعيه بالحماسة والعنفوان، ثم بعض المحاولات البسيطة في نظمه، والتعرف على قواعده اللغوية والعروضية ..
شكلت ثورة ” الضباط الأحرار ” في مصر صيف الـ 1952 الإنطلاقة الفعلية له في ميدان الشعر، فتفتقت شاعرية إبداعية قلَ نظيرها، وأسهم حبه للعروبة في تأييد الثورات العربية، وصدح وهو إبن السادسة عشرة بمواقف عظيمة، سلطت الأضواء عليه كشاعر مخضرم، لاسيما أن البيئة المتحدّر منها عروبية الهوى ورأت في ذلك الضابط ” الصعيدي ” قائداً بوسعه أن ينتشل الأمة العربية من واقعها المتردّي في زمن الإستعمار ..


بعد ” ثورة يوليو ” سجل مواقف عظيمة من خلال محطات مهمة في التاريخ العربي، بدءاً من العدوان الثلاثي إلى ثورة الـ 1958 في لبنان إلى الثورة العراقية والثورة اليمنية وثورة الجزائر إلى حرب الإستنزاف إلى الملحمة الخالدة في تشرين الـ 1973 والتي كان لها وقع كبير في نفسه فأصدر ديوانه الأول ويحمل إسم هذه المعركة الكبيرة ” جيل العبور “..
لم تغب فلسطين والقدس الشريف عن باله إطلاقاً، وكيف تغيب وهو العروبي الأصيل، حمل قضيتها على كل المنابر التي إرتقاها، وهاجم الحكام العرب لتفريطهم بالقدس والمسجد الأقصى :
يا قدس عذراً بحرُنـا صخّـابُ يُرغي ويُزبد منظرٌ خلّابُ
يا قدس صبراً لو تقادم عهده لا بدّ يوماً تُـفتحُ الأبـواب ..
في كـلّ عـامٍ للـقضـيـةِ قِـمــةٌ عرجاءُ فيها تُشرب الأنخاب
في كـل قُـطر لليـــهود محافل أركـانها الــوزراء والنّــوّاب
هذي فلسطين السليبة تشتكي يَـا أيّـها الأزلام والأنصــاب ..
تشعر وأنت تستمع إليه بغصة في صوته وحرقة في قلبه وهو يتناول الواقع العربي الحالي : ” الإنسان العربي في الوقت الراهن إنسان ساذج يسير على غير هدى خلف ملذاته من نساء وكماليات، ليبتعد عن ثقافة العروبة الحقة الداعية للعلم والتطور، عاصرنا الإنفتاح بوجوهه السلبية، فلا حافظنا على هويتنا ولا إستطعنا بناء هوية جديدة معاصرة ذات قيمة، حتى مفهوم ” الثورة ” عندنا تبدّل، أنظر ماذا فعلوا بالثورة السورية وما حاولوا إلصاقه بنا من أوصاف شنيعة، نحن براء من داعش وأخواتها براءة الذئب من دم يوسف، لكن ممارساتنا الرجعية والمتخلفة أوصلتنا إلى ما نحن عليه، واليوم نعيش ” سباق المسافات ” بين الشرق والغرب تحت عنوان الإستعمار المعماري” :
ما بين غزة والنقب وقرى الجليل المغتصب
وقف الزمــان مندداً يبدي المــلامـة والـعتب
أين الشهامة يا عرب
بغـداد حاضـر أمتي والشـام قـلـب عـروبتي
والـقـدس أوّل قبـلة بإسم الحضارة تُغتصب
أين المروءة يا عرب ..
تأثّر جداً بزيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس المحتلة، وسببت له خيبة أمل خصوصاً أنها جاءت من مهندس ” جيل العبور “، فأطلق جماح غضبه على السادات وعلى الأنظمة المتواطئة مع الكيان الصهيوني الغاصب فقال :
واحـر قلبــاه مِمن بــاء بالفشــل ويدّعي السـلم بالتنـظير والجـدل
العيد شوهت والمهراج يشهد ما أزريت في مهبط الإيحاء والرسل
زرت الكنيس صباح العيد مكرمة وشعلة المـكر مشــكاة لـذي خَبَـل
فإستقبلتك عجوز السوء ضاحكة أشبــعتَ رغبتــها بالشـمّ والقُبــل
جئت الصلاة صباح العيد مكرمة مهلاً أبا حفص إركب كورة الجمل ..


عايش الشيخ نجيب أبوشاهين السياسة والسياسيين على المستوى المحلي، لكن الزعيم الراحل كمال جنبلاط ترك بصمات واضحة بداخله، وظهرت جليةً وواضحة في الكثير من قصائده، فقد رأى فيه قائداً ومفكراً وأديباً ورمزاً وطنياً، وأشاد بمناقبيته الوطنية وبمواقفه سواء على الساحة الداخلية أو على المستوى العربي، ووصفه بـ ” قلعة الشوف ” قائلاً :
مختــارة الأجيـال يا عـلم الهـــدى بالمــال بالأرواح رمــزك يـفتــدى
هـذا إبـن لبـنــان العـــزيـز وأرزه هذا إبن بنت الشوف أصبح مرشدا
هـذا كمـال الثـــائـرين لشــــعبـــه سيــفاً صقيــلاً مصـــلتاً لن يغمـدا
هذا الذي سـلً المهنّــد صــائحـــاً طـوبى بني معــروف فانهزم العدا
يا قلعة الشوف أبشري وتباشري فلك التـحرّر والشبـاب لك الفــدا ..
في العام 1967 وخلال زيارة لمفتي الجمهورية الشيخ الشهيد حسن خالد إلى البقاع لتدشين أحد المساجد، خاطبه قائلاً :
فـجر الشريـعة مشـرق ومؤيــد أذّن أبــا ســـعد حبـــاك محمــد
يا رافعــاً علم الشريعة خــافقـاً نصــرٌ يـرافقنـــا ونصـرٌ يُرصـد
يا حجّــة الإسلام يا علـم الهدى لبّيــك لـو نـاديتنــــــا نتجنّـــــد
إن قلت للأقصى سـنزحف كلنـا بعـــزيمـــة شمّــــاء لا نتــــردد
أو ثـرت ثـرنا فالكنـــانة وحينا من عذب أزهرها يسوغك مورد
لبـنــان هـلّل للنـــفير مكبـــــراً عـيسى يعـاضــده النبي محمـــد
والشعب ينتظر الأوامر صاخباً وسمــاحة الشـيخ المـوقـّر قـائـد ..
وصفه مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس في مقدمة ديوانه الأخير ” الدّر النضيد ” ببضع كلمات قائلاً : ” أرأيت تاريخاً يتقدم، أم هل رأيت حجراً يتكلم، أم هل رأيت غائباً عنك هو في مشاعره يكلمك، إذا قرأت كلماته فذلكم هو الشاعر الملهم فضيلة الشيخ نجيب أبو شاهين، بحيث إن قرأت شعره فهو معك، عينك تنظر إلى الكلام المدوّن وقلبك يشارك قلبه الخفقان، فما دمت تقرأ فهو المتكلم وأنت الصامت، وكلما قرأت بيوتاً من شعره أياً كان موضوعها فهو المعلم وأنت التلميذ، وكلما واصلت القراءة فإذا بشعره يُشعرك أنت المتكلم وإن كنت صامتاً، وأنت المعلم وإن كنت قارئاً، أرايت روحين يجتمعا في جسد واحد إن شعر فضيلته، حيث تبدأ لشعره قارئاً ثم ما تلبث لمشاعره مشاركاً، بحق إنه الشعر .. ”
لم يكتفِ الشيخ أبو شاهين بنظم الشعر، بل إمتدّ جهده إلى مؤلفات أخرى، فكتب عدة مخطوطات منها ( تاريخ حمّارة )، وهي دراسة ديموغرافية شاملة عن بلدته الأم، أرّخ فيها تاريخ هذه البلدة على المستوى العلمي والثقافي والمهني بشكل دقيق ومفصل، كي تكون إرثاً للأجيال القادمة، وله مخطوطة قيمة جداً بعنوان ( علماء المسلمين في البقاع من عهد الإمام الأوزاعي وحتى القرن الثالث عشر الهجري ).
يمتلك الشيخ أبو شاهين مكتبة ضخمة في منزله تحتوي على ما يزيد عن أربعة آلاف عنوان، عاش معها سنوات عمره قراءة وتمحيصاً وإستخراجاً للمعلومات التي يحتاج إليها سواء في رسالته الدينية أو في زيادة مخزونه الفكري نحو الشعر، وعن هذا يقول : ” عندما كنت في مدرسة الفتح الإسلامي في دمشق، كنت أضطر في كثير من الأوقات أن أحفظ الكتاب خلال يوم أو يومين لأنني لا أملك ثمنه، وأذكر أنني حفظت قصيدة مؤلفة من (1015 بيتاً ) في ليلة واحدة، لهذا حققت حلمي بإقتناء مكتبة فيها من العلوم والإختصاصات المتنوعة كي تكون إرثي من بعدي لأولادي وأحفادي “.


عدا الإمامة في بلدته المنارة، عمل الشيخ نجيب أبو شاهين كأمين لصندوق بلدية المنارة بين العام 1972 والعام 2000، وهو برفقة المفتي الميس ونخبة من أئمة البقاع من الرعيل الأول الذي ساهم في بناء أزهر البقاع الذي يعتبر اليوم صرحاً علمياً كبيراً على مستوى لبنان، وعمل ناظراً فيه بين عامي 1985 و1991، وشارك في كل المحطات التي رافقت تطور هذا الصرح العلمي الكبير..
كتب في الفخر والمدح والرثاء، حتى الهجاء عرج عليه، لاسيما في المواقف العربية السلبية تجاه القضايا الإسلامية والقومية العربية، والوجدانيات حظيت بنصيب وافر من شعره لأنه وجد بها متنفساً من كل كرب أو ضيق :
أعاتب دهراً فيه تنمو المصائب وتكثر بين الناس فيه العقـــارب
وما النـاس إلا واحد من ثلاثـة صديق وصدّيق كـريـم وكــــاذب
فأما الـذي يرعــاك دوما وداده فذاك صديق مسـتقيم وصـــاحب
وأما الذي يدعو إذا كنت غائباً ويبكيك إن أخنت عليك المصائب
فـذاك صــديق للــعهد حـــــافظ له الحب والإكـرام فرض وواجب
وأما الذي يؤذيك إن غبت مـرة ويرضيك في أقـواله وهو عــاتب
فهذا كذوب يقلب الشمس فحمة ذميـم حقيـر غـرّرته المنـــاصــب
الشيخ نجيب أبو شاهين علمٌ من أعلام الفكر والشعر في البقاع ولبنان، ومن حق بلدة المنارة والبقاع الغربي أن يفخرا بهذه القامة الفكرية والدينية والأدبية، لأنه إستطاع أن يدوّن إسمه في سجلات الكبار، وأن يترك إرثاً شعرياً هائلاً لا يمكن لأيٍّ كان أن يختصره في مقالة أو في حوار، وهو حريص أن ينقل هذا الإرث الكبير عبر نجله الشيخ بشار أبو شاهين، لتكون وصيته الحفاظ على اللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم أولاً وعزتنا وفخرنا ثانياً وعنها يقول :
تعشقتها طفلا وسيري لها حبـو وأعطيتها عمري وفي خاطري نشو
واسهرتها ليلي وكانت رفيـقتي ونيســانها شــمس ون،وارها صحو
وسخرت أقلامي وأدميت مقلتي وأتعــبت أفــــكاري وحبي لها زهــو ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق