ذاكرة وأمكنة

مع إدمون صعب…ومقالة آخر الليل المخيفة!
سهيل ناصر

الأستاذ إدمون صعب،
لروحك الرحمة ولنا كل العزاء بفقدك.
كان من القلة الذين تأثرت بهم وبمحبتهم لمهنة الصحافة، والذين تتلمذوا على الكبير الأستاذ غسان تويني، وتأثروا بالتالي ب”مديرنا” الراهب فرنسوا عقل.
عايشته منذ شباط السنة 1997، حتى تركه العمل في “النهار” في السنة 2009 تقريباً. كنت مسؤولاً في قسم صف الأحرف وتنفيذ صفحات الجريدة، وكنا على تواصل دائم، من خلال “الخط الساخن” خلال فترة عملنا الليلي التي تبدأ في السابعة والنصف وتنتهي في حدود الثانية بعد منتصف الليل، عدا ليل يوم الأربعاء، الذي كنت وبعض زملائي في القسم نستعوذ من الشيطان، لأنه كان الليل الذي يكتب فيه مقالته التي تصدر في عدد يوم الخميس من “النهار” … ينتهي الأستاذ من قراءة آخر حرف من آخر خبر أو آخر تعليق يصله قبل أن يرسله لنا للصف، ليبدأ بكتابة مقالته، بعد أن يكون قد أنهكه التنقيح والتصحيح لكل ما يصدر ويُنشر في الجريدة في اليوم التالي.
تبدأ عندنا في تلك الليلة معاناة انتظاره ليُنهي كتابة مقالته، ثم ننتظر ليصححها أحد الزملاء الأساتذة في قسم التصحيح، لنعيدها إليه وليصححها ويقرأها مجدداً، لم يكن يثق بأحد من الزملاء لقراءتها (كما كان يهمس لي، وعفواً من الزملاء المصححين واحترامي لهم)، فهو كان يتحجج بذلك ليمعن في التعديل عليها و”التشطيب” وإعادة صياغة الجمل التي لا تعجبه ويغيّر بها. المهم كان عذابنا معه يمتد حتى الثالثة والنصف وحتى الرابعة أحياناً من صباح الخميس، وكان مسؤول المطبعة الزميل وفيق مهنا “يصرعنا” بالاتصال ويلحّ علينا طالباً منا الإسراع في إرسال الصفحات للبدء في الطباعة حتى لا يتأخر التوزيع، والأستاذ إدمون “على قلّة من مهْلو”، حتى يكون راضياً عن مقالته، و”فخار يكسّر بعضو”!!!
وفي الوقت الذي كان هو يعمل على “نسف” المقالة، كنت أنا ثالث القرّاء لها من بعده ومن بعد “صفيف الأحرف” الذي هو أول من يستلمها، وبما أني كنت أختلف معه في الكثير من المواقف السياسية التي تحويها المقالة، كنت أسمح لنفسي بالاتصال به بواسطة “الخط الساخن” بيننا، ومناقشته ببعض الأفكار الواردة التي لا أؤيده فيها وأعترض على صحة بعضها. كان يتقبل ما أقول برحابة صدر ويحاول إقناعي بما كتب. حتى أني كنت أتدخل معه بصحة بعض المصطلحات والمفردات وتحسينها واستبدالها، فكان يضحك ويشكرني ويقول لي تصرف عندما تصلك المقالة بعد التصحيح.
ثم نعيش معاناة عدد كلمات مقالته التي تزيد عن حجم العمود المسموح له بملئه. فكان “يشطح” في الكتابة وسرد الأفكار وكان حبره سيالاً “لا يتوقف” حتى يُشبع الفكرة تعبيراً، لكن كان مطلوبا منه الاختصار ليصبح عدد الكلمات فيها موازياً لمساحة العمود الخاص بمقالته.
مضت سنون وهو على هذه الحال، ومع تقدّم العمر صار يشعر بالتعب من السهر والقراءة على مدار دوامه في العمل، فأوكل إليّ اختصار الجمل وعدد الكلمات لتتسع في “عمود الصفحة” … ارتعبت في البدء وقلت له أستاذ إدمون هذه مسؤولية كبيرة تلقيها على عاتقي، أنت إدمون صعب وكثر ينتظرون قراءة مقالتك وتطلب مني هذا الطلب الأكبر من ثقافتي وعلمي و”عدم دراستي للصحافة” وحتى في المدرسة مستواي العلمي لا يؤهلني لهذا العمل. ضحك وقال لي: “سهيل لو لم أكن واثقاً مما لديك ومن قدرتك هل في اعتقادك أني كنت أتكل عليك بذلك العمل؟ تواضع قليلاً”، ثم تركني وغادر الجريدة قائلاً: “وإذا بدك شي مني أنا بالبيت احكيني” !!!
وعند حضوري في اليوم الثاني إلى العمل يكون أول عمل أقوم به هو مهاتفته على الخط الساخن: “مرحبا أستاذ إدمون، شو طلع في شي غلط؟” الجواب: “لغاية الآن لم يتصل بي أحد من القراء أو الأصدقاء ليلفت نظري الى أي خطأ”!!!
وسحبت معه القصة، صار في آخر سنتين من وجوده في الجريدة ما إن ينتهي من كتابة مقالته يرسلها الى قسم الصف، المسؤول عنه أنا، ثم “يضبضب” أغراضه ويتصل بي “يستأذنني” الانصراف و”إذا في شي سهيل احكيني عالبيت”. أصمت وأشعر بكبر المسؤولية التي يضعها على عاتقي، والخوف يستبدّ بي، من ارتكابي لأي هفوة حتى يأتي اليوم التالي وأصل إلى عملي وأسأله مجدداً : “مرحبا أستاذ، شو طلع فيه شي غلط”؟؟!!!
فيأتيني الجواب ذاته: ” لم يلفت أحد نظري الى أي خطأ”!!
أستاذ إدمون شكراً، لقد جعلت مني، بتصرفك هذا؛ تلميذاً “شاطراً” كما كنت تناديني … شكراً لمحبتك … شكراً لثقتك بي والتي كان لها كثير فضلٍ في ما تعلّمته منك وعليك وما أثرته بي، كما أطلعتني على الكثير مما خفي من ثقافة هذه المهنة وأدبياتها وأخلاقها.
أستاذ إدمون، سنتخسّر عليك وعلى الجيل الذي كنت منه، مع الكبار.
الرحمة لروحك يا “صديقي” …هكذا كنت تحب أن تناديني.
عندما كنت أتصل بك لأستوضحك عن بعض المقالات أو بعض الصفحات في الجريدة أو سؤالك عن خطأ في مقالة أو جملة غير مفيدة، وعنوان لم تعجبني صياغته، وكنت تضحك وتقول لي أحياناً: “تكرم سهيل … منغيّرو يا صديقي”!!!
فاجأني خبر وفاتك بعد أن تواعدنا عند اتصالي بك بمناسبة عيد الميلاد الفائت لتهنئتك بالأعياد، تواعدنا واتفقنا على زيارتك برفقة “الشلة” الزملاء والأصدقاء: جنى نصرالله وحبيب شلوق وجوزف باسيل ونقولا ناصيف وسامي شاهين وأنا …
“أهلا وسهلا فيكم ومشتقلكم،
أنا مريض وما عم اضهر من البيت” !!
لكني لم أكن أعلم أنك مستعجل على الرحيل
… المعذرة يا أستاذي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق