قضايا ومتابعات

العين الدولية على الحكومة!

كتبت «الشرق الأوسط»:

ينظر “المجتمع الدولي” إلى ولادة الحكومة اللبنانية على أنها ضرورة، وأن وجودها يبقى أفضل من بقاء لبنان ‏تحت رحمة حكومة تتولى تصريف الأعمال في بلد يتخبّط في أزمة اقتصادية واجتماعية يمكن أن تجرّه إلى ‏الانهيار، لكنه في الوقت نفسه لن يصدر حكمه النهائي ما لم تُترجم الأقوال إلى أفعال ملموسة من شأنها أن تضع ‏لبنان على الطريق الصحيحة للإفادة من المقررات التي صدرت عن مؤتمر “سيدر” المؤدية إلى نهوضه ‏الاقتصادي واستعادته عافيته‎.‎

وبكلام آخر، فإن “المجتمع الدولي” الذي يجمع تحت سقفه الدول الغربية والعربية الفاعلة يفضّل في الوقت ‏الحاضر أن يمنح حكومة الحريري “فترة سماح”؛ لأنه ليس في وارد التسرُّع في حرق المراحل، وإن كان يراهن ‏منذ الآن على أن نجاحها يشكّل الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلد وعهد الرئيس ميشال عون، بعد أن انقضى من ولايته ‏الرئاسية أكثر من ثلثها‎.‎

ولعل بوادر الترحيب التي صدرت حتى الآن من قِبل أطراف أساسية في المجتمع الدولي تعكس رغبتها في التمهُّل ‏في إصدار الأحكام على النيات؛ لأنها تنتظر الأفعال التي ستأخذها الحكومة على عاتقها. مع أن الترحيب الفرنسي ‏بتشكيل الحكومة يبقى في إطار أن وجودها أفضل من بقاء البلد بلا حكومة، وهذا يعني أن باريس ما زالت تترقب ‏الإنجازات التي ستحققها‎.‎

في هذا السياق، علمت “الشرق الأوسط” من مصادر أوروبية، أن الزيارة التي كان ينتظر أن يقوم بها الرئيس ‏الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان لن تحصل على وجه السرعة، وإنما في النصف الثاني من العام الحالي، كما ‏أن واشنطن حرصت على تمرير رسالة إلى من يعنيهم الأمر؛ وهذا ما قصدته عندما أرادت أن تربط ترحيبها ‏بحالة من الحذر‎.‎
ولفتت المصادر إلى أن واشنطن أرادت من خلال موقفها الذي تراوح بين نصف ترحيب ونصف حذر تأجيل ‏حكمها النهائي إلى ما بعد التأكُّد من أن “حزب الله” ومن خلاله “محور الممانعة” بزعامة إيران لا يفرض ‏سيطرته على الحكومة، ويأخذها إلى خيارات تهدد الاستقرار فيه‎.‎

ورأت المصادر الأوروبية، أن الموقف الأخير لـ”حزب الله” بلسان أمينه العام حسن نصر الله، يتجاوز الرد على ‏اتهام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الحزب بالسيطرة على الحكومة اللبنانية الجديدة إلى “تبرئة ذمته” ‏لجهة تأكيده بأن وزير الصحة جميل جبق لا ينتمي إلى الحزب، وأنه سيعمل في الوزارة من أجل كل اللبنانيين‎.‎

واعتبرت أن نصر الله بموقفه هذا أراد الدخول في “فك اشتباك” مع المجتمع الدولي من البوابة الأوروبية على ‏غرار ما فعله أخيراً عندما أعلن وللمرة الأولى منذ بدء الصراع بينه وبين إسرائيل، أن الحزب يقف وراء الجيش ‏اللبناني في تعامله مع الجدار العازل الذي بدأت تل أبيب تشييده على معظم الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، بما فيه ‏قضية النقاط الحدودية المتنازع عليها بين الطرفين، وعددها 13 نقطة‎.‎

وبالنسبة إلى الموقف العربي من تشكيل حكومة الحريري، فإن طلائعه لم تصدر حتى الساعة؛ وهذا ما دفع جهات ‏لبنانية مشاركة في الحكومة إلى ربط التريّث العربي حتى إشعار آخر، بحرص معظم الدول العربية على أن تتلمّس ‏بالفعل أن “حزب الله” لا يسيطر على الحكومة، وأن لدى رئيسها رغبة في تحقيق التوازن لقطع الطريق على ‏‏”محور الممانعة” وادعاءاته بأنه يضع يده على القرارات الاستراتيجية في الحكومة‎

فالحريري يصر منذ اللحظة الأولى لولادة الحكومة – بحسب المصادر هذه – على الدخول في “ربط نزاع” مع ‏‏”حزب الله” لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان، وبالتالي فإن النقاط الخلافية بدءاً بموضوع سلاح الحزب ‏سيحال على البند الخاص بالاستراتيجية الدفاعية الذي تتولى الحكومة النظر فيه، مروراً بملف النازحين السوريين ‏في لبنان الذي يصر الحريري على تسليم أمره إلى المبادرة الروسية، وهذا ما سيلحظه البيان الوزاري للحكومة ‏العتيدة من دون اعتراضه على العودة الطوعية التي يرعاها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وانتهاءً ‏بتطبيع العلاقات اللبنانية – السورية التي يُفترض من وجهة نظر الحريري أن تبقى في إطارها الدبلوماسي كما هو ‏قائم الآن، وإن كان بعض الوزراء ممن ينتمون إلى “محور الممانعة” أو إلى “التيار الوطني الحر” سيقومون ‏بزيارات ذات صفة شخصية‎.‎لكن التريُّث العربي والدولي في الترحيب بحكومة الحريري لا يصرف الأنظار عن تحرّك بدأه عدد من السفراء ‏العرب والأجانب المعتمدين لدى لبنان، وتحديداً الفرنسي برونو فوشيه، والأميركية إليزابيت ريتشارد؛ رغبة من ‏هؤلاء في تقصّي الأسباب الكامنة وراء تدهور العلاقة بين الحريري وحليفه بالأمس رئيس الحزب “التقدمي ‏الاشتراكي” وليد جنبلاط‎.‎

ويبقى السؤال، هل يتصاعد الصدام السياسي بين الحريري وجنبلاط، وأي أفق سياسي سيبلغه؟ أم أن التهدئة في ‏حاجة إلى جهود لتحقيق وقف إطلاق النار بين حليفي الأمس، مع أن هناك صعوبة في إعادة الُّلحمة بينهما إلى ما ‏كانت عليه في السابق‎.‎

وإلى حين نجاح الحكومة في ملاقاة مؤتمر “سيدر” في منتصف الطريق للبدء في توفير الحلول لمعظم هذه ‏المشكلات، فإنها تقف أمام إعادة خلط الأوراق، بمعنى أن وزراء فيها سيتعاملون مع ما يُدرج على جدول أعمال ‏جلساتها الوزارية على أساس “القطعة”، أي لن تكون هناك تحالفات دائمة، باعتبار أن ملف الكهرباء قد يشكّل كما ‏في السابق مادة مشتعلة يمكن أن تؤدي إلى “كهربة” الأجواء‎.‎

ناهيك عن أن وزراء قد يجدون أنفسهم في جبهة سياسية واحدة للوقوف بالمرصاد لرئيس “التيار الوطني الحر” ‏جبران باسيل قدر شعورهم بأنه سيحاول الإفادة من وجوده في الحكومة لجهة تعزيز حظوظه الرئاسية، مع أن ‏هؤلاء يعتقدون أن من سيبادر إلى فتح الملف الرئاسي سيحرق أصابعه، خصوصاً أن تسلّحه في الحصول على ‏‏”الثلث الضامن” لن يُصرف في الحكومة؛ لأن من يحتسب الوزيرين حسن مراد وصالح الغريب على أنهما في ‏كتلته النيابية سيكتشف أن احتسابه ليس في محله، ولا سيما إذا اصطدمت خيارات باسيل بخيارات “حزب الله‎”.‎

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق