كتب واختيارات

“نادي القرّاء – أنصار” يستعيد “الساعة الخامسة والعشرون” بثلاث قراءات

هلا هاشم، بولين منصور حبوش، آمال سكيكي

يتابع نادي القراء في أنصار نشاطه الثقافي من خلال قراءة الكتب ومناقشتها، إذ يجتمع النادي دورياً بهدف اختيار الكتب تمهيداً لتوزيعها على الأعضاء، ومن ثم الاجتماع مرة أخرى لمناقشتها وإبداء الرأي حولها في جلسات تمتد لساعات تغوص في أبعاد الكتاب وفي خلاصاته. اختيارات الكتب تتركز بمعظمها في مجالات الأدب خصوصاً الرواية والشعر، وتتوزع بين إصدارات قديمة وأخرى حديثة وأيضاً بين عربية وأجنبية. النادي ناقش العديد من الكتب بعضها يُعتبر من «عيون» الرواية ويشكل علامات فارقة في مسيرتها، والبعض الآخر أحدث إصداره دوياً كبيراً لما طرحه من قضايا جريئة وشائكة.

الرواية التي اختيرت وتمت مناقشتها في الشهر المنصرم هي رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للكاتب والراهب الروماني جيورجيو فرجيل قسطنطين. صدرت عام 1949باللغة الرومانية وقد منعت في أوروبا لسنوات طويلة. ثم ترجمها للعربية فائز كم نقش في العام 1964، لتتوالى ترجماتها إلى العام 2015 حيث نشرها دار مسكيلياني.
تتناول رواية “الساعة الخامسة والعشرون” سيرة مواطن روماني يدعى يوهان موريتز، اصطدم برجل شرطة بسيط في بلدته حاول التقرب من زوجته وحبيبته سوزانا، ولكن هذا الشرطي استطاع استغلال سلطته ونفوذه، وأيضا الأوضاع المضطربة التي مرت بها أوروبا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، فقام بوضع اسم يوهان على لائحة المشبوهين أمنيا، لتبدأ رحلة المعاناة الغريبة والشاقة، التي صنفته في البداية كيهودي مشتبه به -رغم مسيحيته- قبل نقله إلى معسكر للمعتقلين اليهود.

حاول الهرب منه رفقة يهود آخرين إلى هنغاريا (المجر) فجرى اعتقاله واتهامه بالتجسس، فتم بيعه لألمانيا كعبد ضمن صفقة ضخمة ألزمت ألمانيا عن طريقها الدول المجاورة بتوفير عدد ضخم من الأيدي العاملة لدعم مشاريعها الصناعية.

في ألمانيا يتمكن طبيب نازي من إخراجه من المعتقل، معتبرا أنه سليل الجنس الآري المتفوق، فينضم للنازيين ويتزوج من ألمانية. ومع اقتراب نهاية الحرب يساعد بعض الفرنسيين على الهرب واللحاق بقوات الحلفاء، فيعتقله هؤلاء أيضا على اعتبار انتمائه لقوات معادية، قبل أن ينتهي كل هذا العذاب عام 1949 بعودته أخيرا إلى زوجته وأبنائه في رومانيا.

هلا هاشم
خلال مناقشة “الساعة الخامسة والعشرون” كان لعدد من أعضاء النادي مشاركات في عرض الرواية فقالت هلا هاشم التي عرضت لمقتطفات من الرواية لتعلّق بعدها:
«إن ما تعيشه الشعوب غير المسؤولة عن الحروب على أرضها هو أكبر قهر لها».
«يكفي أن يخسر الانسان وجوده عندما يصبح تعطشه للحرية والعدالة رمزاً لجنونه».
«أن تزعم أنك لم تعد تشعر بحواسك فإنك تشعر بالشيء الجوهري».
«أن تتبدد الحياة من مسامات الجسد وتبقى على أطراف الحياة والاحساس بعدم الفهم لما يجري من حولك هو أكبر عقاب لك».
«أن تتخلى عن نظارتك كي لا تبقى شاهداً على القسوة هي أقسى درجات القسوة».
«كيف يكون لك رأس ولكنك محروم من الرئات. لك صوت ولكن ليس لديك فم. لك أنف ولا تستطيع التنفس».
هذا ما قاله قسطنطين جورجيو في “الساعة الخامسة والعشرون”. والتساؤل يقودنا إلى أنه كيف استطاع جورجيو رسم صور مختلفة للآلام بسرد يشدك بانتظار حلول الساعة الخامسة والعشرون، ظناً بأنها ساعة الخلاص ساعة الحرية.
في انتظار الساعة الخامسة والعشرون يضعك الكاتب أمام تساؤلات كبيرة ومخاوف أكبر من المستقبل، فخضوع الانسان لقوانين الآلة هو أكبر جريمة.
لقد مرت الطبيعة البشرية والاجتماعية بمراحل مختلفة، لكنها تطورت بشكل سريع في القرنين الماضي والحاضر، حيث كان للقارة الأوروبية (مكان أحداث الرواية) الحصة الأكبر في هذا التطور، دفعت فيه أثماناً باهظة وقدّمت تضحيات جسام كان لها الأثر البالغ على القارة على المستويات كافة.
وبالرغم من أن العديد من الناس قضوا في تلك المراحل سواء كان من أجل نظرية أو في سبيل قضية، إلا أنني لا أوافق الكاتب بأن الخلط بين الديمقراطية ومعنى الحياة يقتل الانسان.
إن الاحداث القاسية التي عانت منها شعوب هذه القارة أدت نتائجها (ولا أعني هنا أنظمة الحكم) إلى أسمى درجات الانسانية والحرية في فترة زمنية قصيرة بمقياس التاريخ والحضارات وكان للانسان الدور الاساسي بها وليس الآلة.
لست أناقش كاتباً عظيماً كقسطنطين جورجيو ولكن كنت اتمنى لو شاهد الكاتب ما آلت اليه نتائج معاناته، لأن من ير أن لا جمال للنصر لأن ذلك الذي يسمى جمالا هو من أولئك الذين يجدون الغبطة في المذابح، ومن ير الغبطة في المذابح لن ينجح في طرحه للسيطرة على العالم.
إن تأوهات حزينة راقت للجماعات المذبوحة لذلك ينبغي أن نحتفل بالنصر حسب الطقوس الجنائزية، بهذه المقولة طرح الكاتب نظرية جديدة لمعنى الانتصار في الحروب، وهذا كاف لوضع حد لآلام البشر.

بولين منصور حبوش
«الساعة الخامسة والعشرون» هي رواية القرن العشرين، حيث أرّخ الكاتب للعصر الإنساني الأخير قبل سيطرة الألة، حيث يصبح الإنسان مجرد رقم بين مجموع يصنف ليصبح تابع لفئته أو لقومه أو لأتباع ديانته دون الإلتفات إلى تميزه، رقم يجب أن يملأ بخانة فارغة في سجل بيروقراطية كبيرة تهيمن على العالم الذي لم يعد للإنسان فيه قيمة بعد أن احتلت الآلة الصدارة في الإنتاج لتصبح هي السيد ولنصبح نحن عبيد لهذا السيد الجديد.
إيوهان ليس المعتقل الوحيد في ذلك العالم، فرؤية قسطنطين جيورجيو كاتب الرواية المبدع شديدة الوضوح تعتبرنا جميعاً معتقلون خارج الزمن في الساعة الخامسة والعشرون حيث لا حول لنا ولا قوة.
لطالما تساءلت مراراً كيف يعذب الإنسان بلا مبرر منطقي. كيف يقتل الأطفال بلا ذنب. كيف يهمش الإنسان حتى يصبح بلا وجود.
حتى أتت الإجابة عند قراءتي للرواية التي كانت بحق صفعة قوية للحضارة الغربية.
فحينما تسيطر على المجتمع النظرة الشمولية فلا قيمة لك. وحينما تُعطى الأولوية للنظام فتخدمه بدل أن يخدمك فلا قيمة لك. حينما تتعلق قيمتك بقيمة فئة وتمحى قيمتك كفرد فلا قيمة لك.
هذه حقيقة ما قدمته لي الرواية، ليس على طبق من فضة بل بعد رحلة مأساوية عاشها أبطال الرواية.
«الساعة الخامسة والعشرون» ساعة من القرن الماضي مليئة بالمآسي لا تختلف عن ساعتنا في هذا القرن، لكن المفارقة أن الغرب نجا إلى حد كبير من المصير المظلم الذي تنبأ به الكاتب ليشهد عصراً من التقدم والإزدهار بينما سقطنا نحن في مصير أكثر ظلاماً، فكم من إيوهان في بلادنا البائسة.

آمال سكيكي
تأخذنا هذه الرواية السردية إلى أعماق الروح الانسانية فتبحث في قضايا مركبة تتعلق بالدين، الهوية، المصير، المنفى الحقوق، الحرية والاستعباد وقضايا تمس الإنسان بكل أعماقه.
صورة مأساوية يرسمها لنا الكاتب حول مصير الإنسان في ظل الحروب التي لا تعرف سوى منطق الربح وإن كان على حساب الانسانية، فتحشد كل وسائل الشر وتنتهك حقوق الإنسان وكرامته وتطاول الحريات والأعراض والحياة بأكملها. هي رواية تعرض للصراع بين الآلة وصانعها، فيصبح الإنسان المبدع عبداً لها ومسجونها وقاتلته.
لقد قدّم الكاتب رؤية مأساوية للعالم الغربي في حقبة الحرب العالمية الثانية، إلا أننا ونحن ننتقل في أحداث هذه الرواية ونتعاطف ونتفاعل مع شخصياتها التي تتنقل بين المعسكرات والمعتقلات بين الفقر والغنى بين الذل والكرامة بين الأمل واليأس بين الصحة والمرض، المقاومة والاستسلام من زمن السلم إلى قساوة ووحشية زمن الحرب، لا بد وأن نقارن بينها وبين واقعنا العربي اليوم، حياة تعيشها شخصيات من عالم اليوم، تقارب حياة ومأساة شخصيات هذه الرواية، على الرغم من مرور عقود من الزمن على انتهاء تلك الحرب ونيل الكثير من الشعوب “حرياتها ” ، وفي ظل كل ما حققته البشرية من تطور على الصعيد التقني والمادي، تعيش الانسانية ظلم وانحطاط مرعب.
ان بربرية الأنظمة، الأنظمة السياسية والنظام الاقتصادي العالمي المتوحش والأيديولوجيات الشمولية التي تخطط يومياً لمأساة بشرية جديدة في كل أنحاء العالم تدفع شعوب ما يسمى ب “العالم الثالث” ضريبة ما تحققه هذه الأيديولوجيات والأنظمة من “نجاحات وتطور” من منظارها، فتختزل الإنسان الفرد الى مجرد عدد وتصبح الانسانية مجرد شعارات تطلق هنا وهناك.
كم تشبه حياة شخصيات هذه الرواية حياة معظم الشعوب التي سلبت منها حريتها بين ليلة وضحاها وفرضت عليها حروب على أعلى درجة من البربرية، حيث تتلاشى الأحلام مع الواقع المرير ويصبح القانون غطاء لهذا الكم من الشر. عندها يعيش الإنسان الفرد في قالب محاصر جسدياً وذهنياً وروحياً تحيطه شروط في كل الاتجاهات وتمنع عنه الخيارات، عندها فقط يتمنى الإنسان تلك الساعة، الساعة الخامسة والعشرون، ليأخذ فيها نفساً عميقاً يعيش لحظاتها كما هو يريد، كما هو رسمها يوماً لنفسه ليس كما رسمها المجتمع الآلي له… ساعة واحدة لا غير!!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق