حدث وكومنت

من وطن الرماد.. هيّا نرحل!
زهيردبس

سيكتب الكثيرون عن جورج زريق وسيرثونه كما أكتب أنا الآن، سيتأسفون عليه وعلى حياته تماماً كما أتأسف أنا الآن. سيشتمون الدولة والمدرسة والمجتمع والظروف والأوضاع التي آلت بجورج إلى اختيار تلك النهاية الحزينة لحياته، لكني لن أشتم معهم لا الدولة ولا المدرسة ولا المجتمع ولا الأوضاع والظروف التي أدّت بجورج إلى تلك النهاية المأساوية، ليس حباً بالدولة فهي غير موجودة أصلاً ولا دفاعاً عن المدرسة التي تصرفت بهذا الشكل فالمدارس جميعها تنتهج هذا المنهج، وليس حباً بالمجتمع الذي نعيش فيه فهذا عصيٌ على التوصيف، ولا حباً بالأوضاع والظروف السوريالية فما نعيشه ليس جديداً علينا وهو ما اعتدنا عليه منذ زمن بعيد. أعترف أنني لم أتعاطف مع جورج ومرّ خبره أمامي مرور الكرام.. لم أكترث لموته، والشعور الذي تملكني هو أنني «تمسحت» وإنني فقدت الإحساس والمشاعر.. تيبست في داخلي.. أعترف أن كل المرثيات التي تتدفق أمامي عن جورج على كل الصفحات لم أكترث لها، لم تستوقفني ومررت عليها سريعاً.

أعترف أنني لم أشعر أن المشهد غير عادي أو غير مألوف، فالموت هو حال هذه المجتمعات التي تعيش موتاً بأشكال أخرى، لكن جورج اختار فيها الموت حرقاً.. أعترف أني رسمت سيناريوهات ما بعد موت جورج وكيف سيتعاطى الجميع بعد الحادثة. الصحف، الاذاعات، المواقع الالكترونية والاخبارية، التلفزيونات، نشرات الأخبار التي ستبدأ مقدماتها عنه وعن موته المفجع. الجميع سيرثي جورج بكلمات مؤثرة، فللرثاء في هذه المجتمعات تراث عريق ومتجذر، سيبتكر رؤساء نشرات الأخبار العبارات الأكثر تأثيراً وستفتش الصحف عن العناوين الأكثر جذباً، سيتنافسون على رثاء جورج وأيهما أكثر تأثراً وتأثيراً، وبعدها يوم أو يومين على أبعد تقدير تنتهي القصة، قصة الرجل الذي اختار النار خلاصاً من هذه الحياة، فنعود إلى لعبتنا المملة وعن الحديث الذي يقدم ولا يؤخر كالكتابة التي أخطها أنا الآن، والتي لن تكون سوى وميضاً على سراب. فهذه المجتمعات لم تعد تؤثر فيها الكتابة ولم يعد يتسرّب إلى دواخلها الكلام، المؤثر منه وغير المؤثر سيّان. هذه البلاد لا تبالي في الكلام ولا يصنع فيها الكلام لا رأياً عاماً ولا أي شيء فالكلام فيها هو للاستهلاك ووقود الوقت والأيام.

لن أبكي جورج فالأموات لا يبكون ميت، وما فعله جورج هو أنه قام بالكشف المبكر عن موتنا الداخلي، وعن الحريق الذي التهم دواخلنا وأحالها إلى رماد. لن أستبق ما ستقوم به الدولة الهشة والتي بالتأكيد ستتبرع بالتكفل بأبناء جورج ومثلها سيتبرع الكثيرون. بل سأستبق الجميع لأقول لأبناء جورج وأبناء جلداتهم إحزموا حقائبكم وارحلوا فهذه البلاد لا تتسع سوى للحرائق وللنار، هذه البلاد تلتهم كل شيء وأولها أبناؤها، وأثناء رحيلكم لا تنسوا إن انسابت دموع على وجنتيكم فامسحوها كما أفعل أنا الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق