ثقافات

دراسة إسرائيلية: هل انتهت الهزّة الكبرى في الشرق الأوسط…أم ستتجدد الاضطربات؟

هذه المقالة “الاستشرافية” لباحثين إسرائيليين، هي محاولة لرصد التطورات في منطقة الشرق الأوسط، لتبني الدولة العبرية بمقتضاها استرتيجيتها للتعامل مع الأحداث، والأسئلة المطروحة فيها، هي نفسها ما يطرحه أهل المنطقة والقوى السياسية، فعلى الرغم مما يُحكى عن هزائم وانتصارات لهذا الطرف أو ذاك، وظهور موازين قوى وسقوط مشاريع أو إحراز مكاسب أو إمساك بمبادرات، يبقى الواقع القائم عاجزا عن خلق يقين راسخ ينفرض على الأذهان والحسابات والرهانات، ويساعد على إعطاء لمحة بسيطة عن مآلات المستقبل، وينجم عنه استقرار منجز وتام، فالأمور فيها ما زالت على سيولتها، ولديها قابلية واضحة للتحول والتبدل باتجاهات متعاكسة..وإلى المقالة:

بمرور ثماني سنوات على اندلاع الهزة في الشرق الأوسط، من الصواب فحص عدة مسائل مركزية تتعلق بالمزايا الحالية للمنطقة: هل الهزة لا تزال مستمرة؟ ما هو النظام الإقليمي (مفهوم النظام في هذا المقال هو فهم المنظومة الشرق أوسطية، وليس مدى الاستقرار)؟ كيف غيرت الهزة وجهها؟ وما هي آثار الاستقرار أو انعدام استقرار المنطقة على إسرائيل؟ يعرض هذا المقال تحليلاً لثلاثة احتمالات متنافسة لفهم الواقع الحالي في الشرق الأوسط: الأولى، يعتقد أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش هزة متواصلة وسيواصل التميز بعدم استقرار وعدم يقين. أما الاحتمالات الأخرى فتعتقد أن الشرق الأوسط يستقر بالذات ـ في نظام جديد أو قديم ـ وأن هذا الميل سيستمر أيضاً في المدى الزمني القريب. ليس هذا بحثاً فكرياً ـ نظرياً فقط. فإسرائيل تأثرت كثيراً، أمنياً وسياسياً، من الأحداث حولها في الثماني سنوات التي انقضت منذ 2011 ولمسألة استقرار المنطقة بالنسبة لها آثار عملية ترتبط بتصميم السياسة، وتخطيط العمليات الجارية وبناء القوة العسكرية.

الاحتمال الأول ـ في الشرق الأوسط تصمم نظام جديد:
وفقاً لهذا الاحتمال، فإن الهزة أدت منذ الآن إلى تثبيت نظام جديد، يتضمن ميزان قوى أقليمي مختلف، وكذا أنماط حكم وعلاقات بين الدول مختلفة عما كانت في الماضي. الدول والحدود ستبقى في التقسيم الذي ينظم المنطقة، ولكن العديد من الدول اضطرت لأن تسلم بسيادة محدودة، تجد تعبيرها في نشوء مناطق خاصة على حدودها أو بالحاجة إلى اقتسام سيادتها مع لاعبين إضافيين. وفي نفس الوقت، نشأ في المنطقة تدخل من القوى العظمى يختلف عن ذاك الذي تميز به الماضي. هذا الوضع، الذي يعكس النظام الجديد من المتوقع أن يستمر.
فالدولة العراقية مثلاً، وإن كانت نجت من الاحتلال الأمريكي والقتال الداخلي، إلا أن الحكم المركزي فيها بقي ضعيفاً للاعبين العاملين في أراضيها، وهي تعيش تأثيراً سائداً من جانب إيران. في مصر، وإن كانت الهزة أدت إلى تغيير النظام العسكري الذي يحكم الدولة منذ 1952، إلا أن هذا النظام منذ 2011 يجد صعوبة في أن يفرض إمرته على شبه جزيرة سيناء. إضافة إلى ذلك، أدت الهزة إلى تقليص النفوذ الإقليمي لمصر، وسوريا والسعودية بالنسبة للاعبين الذين استغلوا الهزة لتوسيع نفوذهم، وعلى رأسهم إسرائيل وإيران. تتمتع إيران اليوم بموطئ قدم عسكري وسياسي هام أكثر مما في الماضي في سوريا واليمن، ولبنان والعراق. وبالمقابل، إسرائيل هي الأخرى وسعت نفوذها الإقليمي من خلال تعاون أمني واستخباري أعظم مما في الماضي مع الأردن، مصر وقسم من دول الخليج ـ التعاون الذي يتاح ضمن أمور أخرى في ضوء التراجع في مركزية المسألة الفلسطينية في جدول أعمال هذه الدول.
لقد جعل التواجد الروسي في سوريا في السنوات الأخيرة من روسيا لاعباً قوياً آخر في الشرق الأوسط، إلى جانب الولايات المتحدة، التي من جهتها تتراجع عن المنطقة، تصريحياً على الأقل، وبقدر أقل أيضاً إلى جانب الصين. بين الولايات المتحدة وروسيا تصمم نوع من التقاسم في مجالات المسؤولية الجغرافية، في إطاره تبقي الولايات المتحدة على هيمنتها التقليدية في الخليج، بينما تجدد روسيا نفوذها في مجال الهلال الخصيب وبقدر معين في شمال إفريقيا أيضاً. وهكذا اجتاز الشرق الأوسط من وضع منظومة إقليمية تتميز بهيمنة لاعب قوي واحد (الولايات المتحدة) إلى منظومة تتميز بالمنافسة والخصومة بين عدد من اللاعبين الأقوياء (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين).

الاحتمال الثاني ـ الشرق الأوسط يعيش هزة متواصلة:
بهذا المفهوم، لم يستقر حتى الآن في الشرق الأوسط نظام جديد بعد انهيار النظام القديم في 2011 ولا تزال المنطقة في «فترة انتقالية» قد تستمر لفترة طويلة. وبالتالي، تواصل المنطقة التميز بانعدام الاستقرار، وثمة عدم يقين كبير للتطورات في المدى الزمني القصير ومزاياه المستقبلية. والتقدير بأن الهزة لا تزال مستمرة يستند إلى أن المشاكل الاقتصادية الأساس في المنطقة (بطالة الشباب، الفساد، اقتصادات الظل، عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية والتعلق بالنفط وبالجهات الخارجية) وصراعات الهوية (الدينية، الطائفة والقبلية) لم تحل منذ 2011 بل وتفاقمت. إن وجود هذه المشاكل، دون أي حل، يؤدي إلى فوارق متعاظمة ومتسعة في التوقعات في أوساط الجماهير، من شأنها أن تجد تعبيرها في موجات احتجاج مستقبلية.
إضافة إلى ذلك، يتواصل الصراع على الصورة السياسية للمنطقة في داخل الدول وبين المعسكرات المختلفة. في سوريا واليمن وليبيا لا تزال تخاض صراعات عنيفة، دون حسم، على السيادة على أرضها وعلى خيوط الحكم. في سوريا، رغم انتصار بشار الأسد الذي يلوح في الأفق، فإنه يواصل تصديه لمراكز قتالية في أرجاء الدولة، وكذا لتدخل لاعبين خارجيين، ولا سيما إيران وروسيا وتركيا، الذين يتحدون سيادته ويتنافسون فيما بينهم على النفوذ. في اليمن، يغذي التدخل الخارجي من جانب إيران والسعودية القتال وعدم استعداد الأطراف للموافقة على الحلول الوسط، الحيوية لوقف القتال. في ليبيا، يستمر الصراع الإقليمي والسلطوي العنيف بين سلسلة من اللاعبين (حكومتان، عشرات الميليشيات وبقايا داعش)، دون أفق حقيقي لمسيرة تسوية. هذه الصراعات العنيفة تمنع، أو على الأقل تعرقل، تبلور حكم مركزي قوي في هذه الدول، يمكنه أن يعيد بناء سيادتها ومؤسسات الحكم فيها واقتصادها. في هذه الظروف، تواصل هذه الدول لتكون مصدراً لجموع اللاجئين وكذا للجريمة والإرهاب، مما ينزلق إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا.
في الدول التي تجاوزتها موجات الاحتجاجات في 2011 ولم تتدهور إلى حرب داخلية (الأردن، مصر، لبنان، إيران)، فإن موجات الاحتجاج الجماهيرية تبقي علامات استفهام بالنسبة لحصانة هذه الدول وتراص صفوفها الداخلية. في ضوء غياب جواب على هذه الأزمات وشدة الصراعات المتواصلة، يتوقع هذا الاحتمال أن تشهد المنطقة في السنوات القادمة أيضاً موجات أخرى من الهزات يمكنها ان تؤدي إلى تغييرات مفاجئة مثل تلك التي حصلت في السنوات الأخيرة.

الاحتمال الثالث ـ الشرق الأوسط عاد إلى النظام
الذي ميزه قبل اندلاع الهزة:
وفقاً لهذا الاحتمال، على الرغم من الهزة، يشبه الشرق الأوسط، في مزاياه اليوم، تلك المزايا التي ميزت المنطقة قبل 2011 (النظام القديم). فمستوى اليقين، تواتر وشدة التغييرات، عادت إلى ما هو معروف، وهكذا أيضاً القدرة على توقع التغييرات. هذه الدول تواصل احتواء المجال وباستثناء تونس لم يطرأ تغيير هام على أنماط الحكم التي كانت تعرف الأنظمة. وتكيفت الأنظمة وتلاءمت مع تحديات الفترة بشكل من المتوقع أن يسمح لها بالإبقاء على استمراريتها.
إن دعوات المتظاهرين في 2011 لحقوق الفرد وللعدالة الاجتماعية لم تترجم إلى ثقافة سياسية مختلفة في أرجاء المنطقة. فدول الشرق الأوسط تواصل التميز بقيادات ذات صلاحيات متنفذة، علاقات المال ـ الحكم الوثيقة، وأجهزة دولة بيروقراطية واسعة النطاق، ودور عميق للجيوش وأجهزة الأمن في السياسة وفي الاقتصاد، وكذا دور مركزي للدين في حياة المجتمع والفرد. أما الجماهير التي أدت دوراً مركزياً في احتجاجات 2011 فقد عادت للتركيز على مشاكلها اليومية وهجرت الدعوات لنظام جديد (بما في ذلك في ضوء الدروس التي استخلصوها من الفوضى التي نشأت في بعض دول المنطقة بعد هزة 2011). أما المشاكل الأساسية فلا تزال قائمة بالفعل، ولكن زعماء المنطقة على وعي أكبر مما في الماضي بالتهديد المحتمل المحدق بحكمهم من استياء الجماهير ويقدرون بأن سياستهم نجحت في التصدي للتحدي، وستفعل ذلك في المستقبل أيضاً.

معانٍ ونظرة إلى الأمام:
إن الخلاف الأساس الذي ينعكس في هذا المقال هو بين التقدير بأنه في الشرق الأوسط استقر نظام ثابت نسبياً (قديم أم جديد) وبين ذاك الذي يعتقد بأن الوضع بقي غير مستقر، وأن موجات الهزة التي سجلت في السنوات الأخيرة ستبقى تميز المنطقة، بشكل مؤقت أو عضال (لمدى زمني طويل). صخرة الخلاف الأساس بين هذين النهجين يتعلق بالمشاكل الأساس الاقتصادية وصراعات الهوية في المنطقة، التي توجد توافقات جارفة على أنها لم تحل منذ 2011 بل وربما تفاقمت. وبينما يعتقد نهج النظام المستقر بأن الأنظمة الحالية ستنجح في التصدي لهذا الوضع، فإن نهج استمرار الهزة يعتقد أن وجودها سيؤدي بالمنطقة إلى هزات أخرى، مثل تلك التي وقعت في السنوات الأخيرة.
فما هي إذن الصورة الحالية للشرق الأوسط؟ ظاهراً، يدور الحديث عن ثلاثة احتمالات متنافسة تؤدي إلى استنتاجات مختلفة تماماً. ومع ذلك، يبدو أن المنطقة تتميز في الوقت الحالي بتعقيدات تتضمن في داخلها، ومجالات تعكس عموم الاحتمالات. وفي المنطقة أيضاً قوى تدعم كل واحد من الاحتمالات: حفظة النظام القديم؛ مؤيدو النظام الجديد؛ مشككو كل نظام.
يبدو إذن أنه من أجل النظر إلى الشرق الأوسط على نحو صحيح، فمن الأصح تثبيت إطار فكري يدمج في داخله عموم الاحتمالات. على هذا الإطار أن يستند إلى فهم مزايا الفترة الانتقالية (وعلى رأسها عدم الاستقرار، عدم اليقين والتفجر)؛ إلى المعرفة العميقة للمزايا التقليدية للمنطقة وتاريخها؛ وإلى آخر ما توصل اليه الفهم للمزايا الحالية للمنطقة، مثلما تصممت في السنوات الأخيرة.
بالنسبة لأصحاب القرار في إسرائيل، فالمعنى هو أن التخطيط الاستراتيجي لا يمكنه أن يستند إلى استمرار الميول الحالية في المنطقة. يبدو إذن أنه من الأصح مواصلة اتخاذ الاستراتيجية الحذرة (وإن كانت تستفيد من الفرص)، التي اتخذتها في سنوات الهزة. تحتاج هذه الاستراتيجية إلى حذر شديد في خلق الاتفاقات، والتحالفات والتعاونات، وتستوجب مرونة منظوماتية متواصلة للاستفادة من الفرص ولمواجهة المخاطر. في مثل هذه الظروف من الصحيح التركيز على استخدام القوة الموضعية ضد التهديدات والعمل على تسويات محلية، مرنة وقصيرة المدى، حتى مع الخصوم. ومع ذلك، رغم أن هناك إمكانية في أن يستمر الشرق الأوسط بالتميز بالانعطافات، فإن الوقت الحالي يسمح (بخلاف سنوات الهزة الأولى) بالتخطيط تجاه المنطقة، بالحذر المناسب، لسياسة تستند إلى اعتبارات المدى المتوسط بل والبعيد أيضاً.

ايتي برون، سارة فوير، ايتي حيمينيس
نظرة عليا 28/2/2019

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق