مبادرات وأعمال

كاتيا الروسية تصطاد زبائنها في شارع الحمرا: بالابتسامة والموسيقى!!
قمر غصن

وميض ابتسامتها يلمع من على بعد أمتار قليلة بين رؤوس المشاة على رصيف الحمرا، اعتقدت بداية بأنني لست المقصودة بهذه الابتسامة، لكن نظراتها لم تكن عشوائية، كانت مصوبة نحوي، نجحت في إثارة انتباهي وحشريتي، ليس لأنها أجنبية، فوجود الأجانب في الحمرا، أمر روتيني ومن يومياته، لكن افتراشها الرصيف إلى جانب متسولة من اللاجئين مع أبنائها. أثار فضولي لمحادثة هذه الحسناء الشقراء.

إنها كاتيا الروسية التي أتت من إحدى القرى الروسية وحط بها الرحال في الحمرا حيث اتخذت من رصيف شارعها مكاناً لتمارس هوايتها وتعزف على آلة الـ «سبايس دروب» التي تعتبرها صديقتها الوفية ومصدر دخلها الوحيد.

شاهدتها للمرة الأولى منذ ما يقارب الشهرين تجلس بمحاذاة مقهى «ستاربكس» في الحمرا، تطرق على تلك الآلة المستديرة أمامها مع تلك الابتسامة الدائمة والفرح المتلألئ داخل عيناها. في بادئ الأمر اعتقدت أنها سائحة أوروبية تمارس هوايتها، ليتضح لي فيما بعد أنها تضع أمام تلك الآلة قطعة قماش يوجد عليها بعض الأوراق النقدية، تبادر إلى ذهني أسئلة كثيرة عن هذه الفتاة! لماذا تركت بلدها وما الذي أتى بها إلى هنا؟ هل هي عميلة وفق الصورة النمطية التي نكونها عن الأجانب، أم أنها ليست سوى واحدة من أفراد المافيات والتي تتخذ من هذه الوسائل وسيلة لإخفاء هويتها الحقيقية، أم أن الحاجة فعلاً هي من دفعتها إلى القيام بذلك!؟ وبماذا تختلف عن المتسولين الذين تتقاسم معهم الشارع.

أسئلة كثيرة راودتني قبل أن أتقدم وأتحدث مع تلك الفتاة الشقراء التي تبلغ الرابعة والثلاثين من العمر وقد أتمت دراسة الهندسة الإلكترونية في بلدها قبل أن تبدأ رحلة مع الذات كما سمتها ولذلك قصة روتها كاتيا لـ «مناطق نت» التي التقتها في الحمرا وحدثتها عن تلك القصة. 
تقول كاتيا «الأمر بدأ عندما سافرت إلى بلاروسيا لزيارة صديقي الذي كنت على علاقة معه، حيث حصل خلاف بيننا انتهى لأجد نفسي بعده في الشارع بلا مأوى أو مال، لا أملك شيء سوى آلتي وعقلي. تتابع «عندها لم يكن لدي خيار آخر سوى الجلوس في المترو ومن ثم البدء في العزف على آلتي ونجحت في ذلك».

بعد نجاح التجربة الأولى أحبّت كاتيا العمل وعن هذا تقول «كنت بحاجة للسفر لأن حالتي النفسية كانت صعبة جداً لذا استمريت بالعمل حتى جمعت الأموال التي تكفيني للتنقل». تتابع «أعجبني عدم الإستقرار واكتشاف ثقافات أخرى، فما تراه على الطريق ليس كالذي تراه في الفنادق والمطاعم».

زارت كاتيا عشرين دولة حتى الآن من ضمنها اليابان، أذربيجان، كازخستان، قبرص، مصر، تركيا، الأردن وفلسطين المحتلة والآن لبنان. 
وهي تقول “قررت أن أجعل حدودي العالم”
، تعيش كاتيا في لبنان منذ أربعة أشهر وتحديداً في الحمرا التي اتخذت من شارعها مكاناً لعملها وعنه تقول «شعرت بأن هذا الشارع يشبهني لما يحويه من تنوع». لا تحدّد كاتيا دواماً لعملها لكن تعمل أكثر عندما يتطلب الأمر ذلك، أي حين يستحق إيجار الشقة أو عندما تحتاج لشراء شيء طارئ.

في الحمرا كوّنت كاتيا صداقات كثيرة كما في البلدان التي زارتها من قبل وعن ذلك تقول «بيروت مدينة جميلة الناس فيها لطفاء يتفاعلون مع الآخر لكن ككل مدينة لها نواحي جميلة وأخرى سيئة فإن كلفة الحياة في بيروت باهظة الثمن، بالإضافة إلى انعدام وسائل النقل المشترك وهذه إحدى أكبر المشاكل بالنسبة لي.

الإبتسامة هي السر
يجعلك صوت الموسيقى تتلفت لتبحث عن مصدره لتصطادك كاتيا بابتسامتها الدائمة التي ترتسم على وجهها. تحرك يديها لتصدر أنغام عذبة. وبالرغم من أنها تتحدّر من عائلة تقليدية إلا أنها تعتبر نفسها حرة ولا تعتبر عملها عيباً بل تفتخر به. وبالرغم من أنها تتعرض في بعض الأحيان للتنمر والمضايقات لكن كاتيا لا تبالي فهي تستمتع بما تعمل وتحب الموسيقى أكثر من أي شيء آخر .

كاتيا تضعنا مرة أخرى أمام أنفسنا لنتساءل لماذا هي التي كسرت «المستـهجن» ولماذا لا نُقدم نحن على ذلك فنفتح شوارعنا أمام المواهب لكي تتحوّل مختبراً في الهواء الطلق تُطلق العنان لكل ما هو جميل ومبدع بدل أن تبقى أسيرة الرتابة والخوف من كل جديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق