ثقافات

نساء متمردات: بالبنطلون (السودان) والصدرية (تونس) والنظّارات (كوريا)

ليس هناك أقفال يمكنها إغلاق المجتمعات إغلاقا محكما على واقعها، ستظل هناك مسارب خفية تتسلل منها التغييرات المجتمعية، وهذه تتم  أو تبدأ بتفاصيل صغيرة، لكنها تتدحرج وتكبر ككرة الثلج بانشداد الناس إليها وإيمانهم بأهميتها لتتحول إلى قضية رأي عام تضغط على أهل القرار في السلطات السياسية والاجتماعية والدينية.

قضايا المرأة في العالم، وفي بلداننا العربية بالأخص، لم تطرح دفعة واحدة، يتم تقديمها على جرعات تبعا لكل لبلد، وكان لافتا تحريكها من خلال اللباس كما في العام 2018، وقد أدت إلى تبدلات موضعية تفيد منها المرأة، كما في السودان وتونس وكوريا.

بنطال في السودان

في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، ألقت شرطة النظام العام السوداني القبض على المغنية السودانية، منى مجدي سالم، بعد صورة لها في حفل في العاصمة الخرطوم، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

وماذا كانت جريمة منى؟ ارتداء بنطال. وما القانون الذي اتهمت بخرقه؟ الآداب العامة في القانون السوداني.

تعد الشريعة الإسلامية مصدا رئيسيا للتشريع في السودان، ولكن القرآن لا يتناول إلا توجيهات عامة بخصوص الثياب، لكنه يشدد على أهمية اللباس المحتشم.
ووفقا للقانون السوداني، كان من المحتمل أن يحكم على منى سالم بـ “40 جلدة كحد أقصى، أو غرامة مالية، أو كلتا العقوبتين”، لكن المحكمة علقت قضيتها.

كما أن نساء قد خالفوا القانون عند عدم ارتدائهن الحجاب، أو بسبب تسريحة شعر خاصة، أو لوضع الماكياج. والحالة الأخيرة تشمل رجالا وضعوا مساحيق التجميل في برنامج تلفزيوني عام 2010.

لكن منتقديه يصفون القانون بأنه يقمع النساء على وجه الخصوص.

ورغم أن القانون موجود منذ 28عامًا، إلا أنه لا يقدم تعريفا محددا للملابس غير المحتشمة، تاركًا تفسيرها لتقديرلشرطة النظام العام والنيابة العامة.

وتقول هيئات حقوق الإنسان إنهذا يعرض النساء للإساءة.

حاول صحفيون ونشطاء حقوق إنسان سوادنيون على مدى سنوات تسليط الضوء على هذا القانون، لكن قضيتهم لم تحظ بالاهتمام حتى تم إلقاء القبض على الصحفية والموظفة السابقة في الأمم المتحدة، لبنى أحمد حسين، عام 2009.

وفي جلسة المحكمة، اختارت لبنى حسين ارتداء نفس الملابس التي كانت ترتديها يوم ألقي القبض عليها.

تقول لبنى حسين لبي بي سي: “لسوء الحظ، بقيت نساء صامتات، رغم أنهن وقعن ضحية لهذا القانون، لأن المجتمع نفسه لن يتضامن معهن”.

“لكن بعد قضيتي، ولأن وسائل الإعلام الدولية غطت القصة، حصلت على دعم نساء ومدافعين عن حقوق الإنسان، لتوعية الناس بأن النساء اللواتي اعتقلن بموجب القانون لم يكن في الواقع مجرمات بل ضحايا”.

صدرية مدرسية (طبلية) في تونس

المتمردات

لم يكن السبب هو الموضة، ولا حرية التعبير، ولا حتى كون الصدرية غير مريحة.

تقول سوار طبوربي، 20 عاما، لبي بي سي: “سبب ذلك أنه كان علينا ارتداءها، في حين أنها لم تكن مفروضة على الفتيان”.

كمعظم مدارس تونس، لدى مدرسة الطبوري الثانوية التي كانت تدرس فيها سوار، دليل سلوك لطلابها، وكان أحد الشروط يلزم الفتيات بارتداء صدرية كحلية فضفاضة فوق ملابسهن.

وكان هذا الشرط مفروضا على طلاب وطالبات المدارس الابتدائية، ولكن تغير الوضع في المدارس الثانوية وأصبح يتوجب على البنات فقط ارتداؤه.

المشرفون في المدرسة دافعوا عن الصدرية، وحجتهم أن أجساد الفتيات تلفت نظر الجنس الآخر، بما في ذلك المدرسين الرجال.

تقول سوار: “في عامنا الأخير من المدرسة الثانوية توقف بعضنا عن ارتدائها”.

في أحد الأيام ، وبعد أسابيع قليلة من توقف سوار وأصدقائها عن ارتداء الصدرية، هدد أحد المشرفين تلميذة المدرسة بالطرد. وفي اليوم التالي، 30 نوفمبر/تشرين الثاني، جاء نحو 70 طالبة وطالب من مدرسة Pioneer High School وهم يرتدون قمصانا بيضاء عليها عبارة “لا للتمييز”. وأسموا حملتهم ” مانيش لابستها” أي “لن أرتديها”.

وتقول سوار لبي بي سي إن بعض المدارس الأخرى في تونس تمردت أيضاً.

وتضيف: “تلقينا رسائل إلكترونية من جميع أنحاء العالم. راسلتنا نساء من الهند وأمريكا وفرنسا لتشجيعنا. وسمعنا أن الفتيات في مدارس أخرى امتنعن عن ارتدائها”.

ولكن لم يؤيد الجميع هذه الخطوة؛ حيث قال البعض: “ألا تعتقدون أن تونس لديها مشاكل أكبر من صدرية مدرسة؟”

لكن سوار علقت قائلة إن موقفها هي وأصدقائها “جزء من نقاش أكبر حول وضع الشابات في شمال إفريقيا”.

تقول سوار إن بلدها، ومنذ ثورة 2011، يعيد التفكير بالشكل الذي يجب أن تكون عليه تونس الحديثة. وكانت حقوق المرأة عنصرا أساسيا في الدستور الجديد لعام 2014؛ حيث نصت المادة 46 على أنه ينبغي القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

احتل “مانيش لابستها” عناوين الصحف الدولية، لكن المدرسة لم تعلق. ولم ترتد سوار والعشرات من صديقاتها الصدرية المدرسية طيلة ما تبقى من العام الدراسي.

نظارات طبية في كوريا الجنوبية


عندما ذهبت مذيعة الأخبار في كوريا الجنوبية، يم هوانجو، إلى العمل يوم 12 أبريل/ نيسان 2018، رمت رموشها الصناعية وعدساتها اللاصقة التي استبدلتها بالنظارات، لتحدث بذلك ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

كانت تتبع نمطا لوضع زينتها وكان مشابها لباقي مذيعات الأخبار في كوريا الجنوبية؛ ففي كل صباح كانت تمضي ساعة كاملة تضع مساحيق التجميل، لتعاني بعدها من عدساتها اللاصقة غير المريحة خاصة بسبب أضواء الاستوديو القوية، فكان عليها استخدام قطرة للعين كل يوم.

تقول المذيعة، ذات الـ 35 عاما، لبي بي سي: “نشأت وأنا معتادة على ما يعرف بنمط المذيعة في كوريا والذي يعني تصفيف الشعر على نحو مرتب جدا، ووضع مساحيق التجميل، وارتداء البدلات الرسمية الضيقة، والكعب العالي”.

“لم يكن لدي خيار سوى اتباع معايير ‘الجمال’ تلك، لكنني شعرت دائمًا بعدم الارتياح”.

لذا أمضت ثلاثة أسابيع وهي تفكر بمعضلة استخدام النظارات الطبية بدلا من العدسات اللاصقة.

في اليوم الذي اتخذت فيه قرارها، شعرت باستياء بعض من زملائها من فريق غرفة الأخبار، ولكن بعد أول مقابلة أجرتها مع الصحافة، دعم كثير من الكتاب خيارها، فقررت الاستمرار.

ما لم تتوقعه يم هوانجو هو أن قصتها ستجد صدى لدى نساء كثرات في شتى أنحاء العالم حتى بعد أكثر من سنة .

حيث كتبت امرأة مؤخرا على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمذيعة : “شكرا على تحطيمك واحدة من التابوهات غير المرئية. لقد كنت المحفز لي؛ فأخيراً امتلكت الشجاعة لارتداء نظارات بعد سنوات عديدة من التردد”.

حتى أن شركة الطيران الكورية الجنوبية (Jeju) رفعت حظر ارتداء النظارات الطبية المفروض على المضيفات.

وتنتشر في كوريا الجنوبية حركة كاملة تسمى “اتركن مشدات الخصر” حيث تحلق نساء شعر الرأس تماما ولا يضعن مساحيق التجميل كنوع من التمرد على معايير الجمال السائدة.

“عندما تخلصت من ضغط أن أكون ‘جميلة’، اكتشفت حقيقة من أكون،” تقول المذيعة يم هوانجو.

BBC عربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق