قضايا ومتابعات

الحرب ضد الفساد لعبة مشبوهة
طانيوس علي وهبي

منذ ما يقارب الثلاثة عقود اي منذ اتفاقية الطائف التي انهت حروبا أهلية لبنانية دامت حوالي الخمسة عشر عاماً. وابطال هذه الحروب الذين تسللوا إلى مواقع السلطة في البلد بقوة الأمر الواقع ونتيجة تقاطع مصالح إقليمية ودولية. لا زالوا يتناوبون على الإمساك برقاب العباد والبلاد ويحكمون بذهنية ميليشياوية. وان بنسب متفاوتة. ويمعنون في توسيع نفوذهم على حساب الدولة الشرعية. ويسخّرون مواردها المالية لخدمة مصالحهم الداخلية ومشاريعهم المرتبطة بالخارج. ذلك انهم وان اضطروا للرضوخ إلى الإلتزام باتفاق الطائف الذي وضع حدا لأصوات المدافع والرصاص. لكنهم عجزوا عن ممارسة الحكم بذهنية المؤسسة والقانون والدستور لبسط الأمن والاستقرار. فانتقل معهم الصراع فيما بينهم إلى زمن السلم كما كان في زمن الحرب ولكنه يحمل طابعا سياسيا. وهذا كان مدعاة لأضعاف مؤسسات الدولة واداراتها. وتعطيل عمل الأجهزة وتقصيرها عن القيام بمسؤولياتها وواجباتها. وغياب دور الرقابة والتفتيش لمقاضاة المقصرين. وتم ضرب مبدأ الديمقراطية وعملية تداول السلطة.

في ظل هذا الواقع المزري استطاعت منظومة الحكم ان تستغل هذا المناخ وتكرس نفسها على رأس السلطة. وتحول الدولة إلى ما يشبه الشركة نتقاسم مواردها بالتراضي. الأمر الذي شرّع الأبواب واسعة امام الفساد ليغزو كل مفصل من مفاصل الدولة. فاقترن الفساد بكل مسؤول وبكل من دخل جنة الحكم. وفاحت روائحه من ادراج كل دائرة ومؤسسة. وبدا ذلك جليا في عقد الصفقات المشبوهة والتلزيمات التي تتم بالتراضي والتعيينات والتوظيف والتهريب والمعاملات والعقارات. لدرجة قارب معها البلد حافة الانهيار. وبات الهيكل مهددا بالسقوط على رؤوس الجميع. مما حذا بالطبقة السياسية الحاكمة لطرح مسألة محاربة الفساد وإنما في سياق لعبة مشبوهة وخبيثة وقذرة. إذ انها تسعى جاهدة لنقل ميدان هذه الحرب إلى مكان آخر وذلك بتغيير قواعد الاشتباك. وابتكار مغريات لا تسمن ولا تغني من جوع. ومن شانها الهاء الناس عن المطالبة باستعادة حقوقهم المهدورة والضائعة. وتغيير اتجاه البوصلة من المحاكمات القضائية ضد الفاسدين والمفسدين والمرتشين والذين يمثلون رموز السلطة إلى تحريك الأجهزة الأمنية والعسكرية لملاحقة بعض المخالفات التي اعتاد أبناء الطبقات الشعبية الفقيرة والمسحوقة والمحرومة ان يرتكبوها في ظل منظومة الفساد التي تعم البلد في كافة مناحي الحياة وعلى كل المستويات. وهذا يضع هذه الأجهزة في مواجهة مباشرة مع الشعب َمما يفرض على الكثير من الناس طلب المساعدة من نفس رموز الفساد. ليعود البلد إلى الدوران في حلقة مفرغة. ويبقى كل شيء على حاله. ويستمر اقطاب الحكم الفاسدين محصنين في مناصبهم ومواقعهم بدل سوق كل من تثبت ادانته مخفورا إلى السجن لينال جزاء ما اقترفته يداه. وبالتالي يبقى المواطن المغلوب على أمره يستجدي الحماية من الحاكم الظالم والفاسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق