ذاكرة وأمكنة

الخاتون الانكليزية في بعلبك: المتاولة طائفة غير أمينة باستثناء “حيدر” من اللبوة (2و3)
/حسين حمية

لم تسهب السيدة غيروترود بيل في الحديث عن إقامتها في بعلبك، فما نقلته كان شحيحا جدا، لكنه كان كافيا لإعطاء صورة بغيضة عن “متاولة” المنطقة، ففي حوارها مع قرنفلة (كما جاء في الحلقة السابقة) أظهرت ارتباط مصير المسيحيين في لبنان بالغرب، وأوضحت لهذه السيدة المتزوجة من بعلبكي مسيحي، بأن لا تخاف منهم ومن المسلمين إذا حدثت الحرب، ومما قالته لها ” من غير المحتمل أن يعاني مسيحيو سوريا من الاضطهاد لأن البلاد معروفة جدا ويرتادها الكثيرون من السياح، الذين لن يتوانوا عن إثارة ضجة”، وهذه إشارة إلى أن سياحة الغربيين أنذاك لم تكن ترفيهية فقط، إنما يضاف إليها مهام تجسسية وتعبوية كما حال السيدة بيل.

بعد ليلتها مع قرنفلة في بعلبك، تقول “الخاتون” الانكليزية “في اليوم التالي لم يهدأ المطر. لقد استقبلت مفوض الشرطة، الذي قلب الأرض بحثا عني حتى وجدني – وأثبت أنه رجل ساحر- ثم أديت زيارة عائلة كبيرة من البرتغاليين، كانوا يقيمون في الفندق القريب تماما من مكان إقامتي”.

مع أنها متخصصة في التاريخ، استخدمت السيدة بيل زيارتها للمدينة وشهادتها للحط من قلعة بعلبك وتقول”تفاصيل آثار بعلبك ليست في غاية البراعة كتلك الموجودة في أثينا، فالهيبة لا تُضاهى والتحكم بذلك المجد في إبداعات المعماريين، لا يمكن مقاربته، كما أن آثار بعلبك ليست في موقع بديع على قمة التل المطل على البحر الأزرق وخليج السالاميس ليتيح لها أن تغدو في موضع المنافسة”، مع أننا لسنا خبراء آثار، وقد يكون كلامها صحيحا، لكن السؤال ما الهدف من إجرائها هذه المقارنة؟

كما سبق القول، التنميط والغطرسة واللغة الفيكتورية حاضرة في كل كتابات السيدة بيل عن الشرق، وإهاناتها العنصرية طاولت جماعات كثيرة في المنطقة، وقبل أن تغادر بعلبك شمالا، استغلت حادثة جرت معها، لوصم “متاولة” المدينة بأبشع النعوت.

تقول:”وُصمت مغادرتنا من بعلبك بحادثة مؤسفة – فقد وجدتُ أن كلبي (كيرت) قد اختفى ليلا. إنه وخلافا لكل الكلاب السورية السائبة، يتصرف بمنتهى الإلفة، كان أيضا (وفي هذا الجانب لا يختلف عن فصيلة محدودة التغذية) نهما للغاية، وبالتالي فمن المرجح أنه تم إغراؤه بعظمة في مكان بعيد، فصمت حتى خرجنا من الطرق بأمان”.

وتضيف: ” ذهب حبيب (أحد العاملين معها) ليبحث عنه بأحد الاتجاهات عبر القرية، وذهب ميخائيل في اتجاه آخر، بينما حاول مفوض الشرطة، الذي ظهر على المشهد الهائج، أن يضع بلسما على مشاعري الجريحة، وبعد بضع دقائق، عاد حبيب إلى الظهور مرة أخرى ومعه (كورت) وهو يهز بذيله ومتهاديا بمشيته خلفه وفي عنقه سلسلة”.

قال لها حبيب: “وجدته في منزل شخص اعتقد أنه سرقه، مربوطا بهذه السلسلة بالذات”.

وشرح لها كيف عثر عليه “عندما سمع كيرت صوتي نبح، فذهبت إلى الفناء ورأيته، وطلب مني صاحب السلسلة استعادتها! ووالله لقد رفضت إعادتها له بل طرحته أرضا من الضرب بدلا من ذلك، لعنه الله المتاولي اللص، هكذا تركته”.

وهنا، وعلى إثر هذه الحادثة تدلي السيدة بيل بشهادتها الفظيعة عن المتاولة “ولأجل هذا، فمن دواعي سروري أن أسجل أن المتاولة طائفة غير أمينة كما تصفهم الشائعات، إلا أن مكائدهم لا يمكن أن تصل إلى شيء من المسيحيين المتيقظين”.

تقييم المسز بيل لمتاولة بعلبك، عشية اقتسام البريطانيين والفرنسيين للسلطنة العثمانية وتوزيعهم النفوذ على جماعات المنطقة، لا محالة ذهب إلى أدراج الاستخبارات البريطانية، من دون التحقق ما إذا كانت الخاتون هي السبب بشرود كلبها وتجويعه ليبحث عن طعامه في المدينة، أو أن عمالها خدعوها من أجل ابتزازها والطمع بنقودها.

بعد هذه الحادثة غادرت السيدة بيل بعلبك شمالا، وتقول”بعد أربع ساعات ونصف وصلنا إلى اللبوة، حيث ينبع أحد الينابيع الرئيسة لنهر العاصي من الأرض على شكل عدد من الينابيع، وهي جميلة المرأى للغاية”.

وتضيف”في اللبوة، التي هي أطلال معبد بني داخل مبنى أضخم من بعلبك، ثمة منصة مكونة من اربعة مسارات رائعة من الحجر توجت بقالب معماري بسيط، لم يتبق منها سوى الواجهة”.

بخلاف بعلبك، كان لها رأي إيجابي في اللبوة، وتقول السيدة بيل “وينتمي لهذه القرية شخص يدعى أسعد بيك، وهو متاولي غني، وأخوه الدكتور حيدر، وهو شخصية معروفة في شمال سوريا. ولا أسافر إلى دمشق دون مقابلته، وما التقيت به إلا خرجت راضية، لأنه قارىء جيد للأدب العربي وذكاؤه استثنائي، لقد التحق مؤخرا بوظيفة سكك حديد مكة، وهو حسب علمي النموذج الوحيد في طائفته لرجل تلقى تعليما جيدا وارتقى إلى منزلة موثوقة.

تابعت السيدة بيل رحلتها نحو الداخل السوري، ونصبت مخيما “عند راس بعلبك، حيث يوجد نبع ممتاز عند مضيق التلال الشرقية القاحلة على بعد نصف ساعة من اللبوة، لقد توقف الصقيع عن قرصنا صباحا، حمدا لله، لكن الطقس لا يزال باردا”، فهي كانت هناك في الثامن من آذار اواخر الشتاء.

كذلك استوقفها في رحلتها قاموع الهرمل، وهي كما رأته “أطلال تنتصب على أرض مرتفعة وسط وادي العاصي، ويمكن رؤيتها وهي في تلك المساحة المهجورة على بعد رحلة يوم ومن على جانبي الطريق. وهي عبارة عن برج شاهق بني بالحجارة الضخمة ومتوج بهرم مزين بركائز وأعمدة من أفريز خشن محفورة عليه زخارف ناتئة قليلا، تمثل مشاهد الصيد وغنائم الأسلحة. ويطلق السوريون على هذا البرج الذي يقع على مقربة من القرية المتاخمة اسم قاموع الهرمل، ويرى المتعلمون من أهلاالقرية أن يخلّد ذكرى معركة كبيرة خلال الغزو الروماني، ولكن لا يوجد نقش يثبت صحة ذلك أو خطأه، وهو يقع على بعد ساعتين إلى الغرب من راس بعلبك”.

الحلقة الأولى: “الخاتون” الإنكليزية في بعلبك: المسيحيون في جوع وخوف والمتاولة في جهل (1) 
حسين حمية

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اتمنى ان لا ينشر هذا المنشور لانه يسيء الى الطائفة من هذه الخاتون التي تصف نفسها بالمثقفة فالتذهب الى وطنها الذي دمر البلاد في انحاء العالم من خلال سياستها الاستعمارية منذ زمن وزرعت لنا جرثومة سرطانية في منطقتنا اسمها اسرائيل ولا يحق لها ان تتكلم عن احدى الطوائف بانهم غير امينين وتدعي انها مثقفة هذا ينبأانها ليست كذلك ولا بشرفنا ان تأتي الى بلادنا وتسيء واذا كانت بزيارة لاحد الاشخاص في منطقتنا فيجب عليها ان تحترم المكان التي توجد فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق