قضايا ومتابعات

ماذا يفعل ترامب؟

حسين حمية

علامة الاستفهام في هذا السؤال ليست استفهامية، إنما هي للاستهجان والحيرة، فقراره بالاعتراف بالقدس ونقل سفارة واشنطن إليها، يُعد في السياسة الدولية من ضروب الجنون والهبل، وما يكرسها بهذا التصنيف، هو أن هذا الرئيس خلال ولايته الرئاسية التي لم تتجاوز العام الواحد، قد رسّخ في اذهان الناس أن يتوقعوا منه غير المتوقع.

بعيدا عن منطق الحقوق والعدالة الدولية واحترام قرارات أجمع عليها المجتمع الدولي وفي مقدمه الولايات المتحدة الأميركية، حتى الآن أميركا وحدها هي الخاسرة في هذا القرار، وصورتها قد تهشمت، فهي انقلبت على دورها الوسيط في أزمة تُعد من أعقد الأزمات في العالم وأكثرها استطالة في الزمن، وهذا الدور كان حكرا على واشنطن وحدها، ولم تجرؤ اي دولة أخرى عظمى أو خلافها على أن تنافسها على هذا الدور، وكان اضطلاعها به نوعا من التسليم بقيادتها للعالم ورعايتها للأمن والسلم الدوليين.

كما أن القرار عكس استهتار الولايات المتحدة بأمن المنطقة وافتقاد حس المسؤولية ولامبالتها بما تتخبط به الشعوب العربية من حروب وكوارث ومآس إنسانية نجم عنها مئات الألوف من الضحايا وملايين المهجرين واللاجئين وخراب عشرات المدن والبلدات، فجاءت خطوة ترامب لتنذر بحروب وفوضى إضافية تثقل من جديد ظهر المنطقة والعالم بأزمات إنسانية واقتصادية وسياسية، في وقت تكاد هذه المنطقة وهذا العالم تلمس سبل التخفيف من الجراح الحالية.

أي مراقب أو متابع مهما كان بسيطا في قراءة التطورات، ستمثل أمامه أخطارا جسيمة على مصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة والعالم، ولن يعبر بسهولة أو يمر مرور الكرام قرار يستفز بطريقة غاشمة الوجدان التاريخي والديني لمليار إنسان، فهو مرشح لأن يتحول إلى غضب جارف ينعش الإيديولوجيات المتطرفة والراديكالية التي تبرر ردوداً قاسية وعنفية على مصالح الأميركيين.

أضف، لم يضع هذا القرار، أميركا في مواجهة مع الفلسطينيين وحدهم، ولا مع العرب أو المسلمين وأيضا مع القوى الدولية التي تنافسها، لا بل وضع واشنطن في خلاف مع حلفائها التاريخيين، فهناك تمنع غربي وبالتحديد أوروبي في مجاراة ترامب بقراره حيال القدس، حتى أن صدور هذا القرار ومن غير قصد، أعاد الحياة لقرارات الشرعية الدولية ومبادىء مؤتمر مدريد والبنود التي عطلتها إسرائيل في اتفاقاتها مع الفلسطينيين.

هل هذا ما يقصده ترامب من قراره؟ ألم يكن يتوقع  ردودا من هذا العيار على فعلته؟ وهل بلغت به السذاجة أن يعتقد أن قضية من وزن الصراع العربي الإسرائيلي يمكن اعتبارها وعدا في حملة انتخابية؟ أم أنه بنى هذا القرار على تراجع مكانة أهل القضية وغرقهم في خلافاتهم الداخلية وتعمق انقساماتهم واستنزاف قدراتهم في حروب بينية مدمرة أفقدتهم القدرة على المقاومة والرفض؟

قد يكون بعض مما ذكرت يفتح شهية الآخرين على حقوق الفلسطينيين، لكن في دولة مثل الولايات المتحدة غنية بالمؤسسات البحثية ويخضع القرار الرئاسي فيها لآلية على درجة عالية من الفعالية لجهة إعداده وطبخه ليتحول موقفا سياسيا، هذا يحملنا على الاعتقاد أن لهذا القرار تتمة، اقله لجهة تدارك تداعياته الآخذة في التصاعد والتضخم.

لا يمكن للعالم احتمال هذا الغليان في المنطقة، وعملية تهدئتها تتراوح بين 3 خيارات، كلها تمسك بها إدارة ترامب، وكل منها ستترتب عليه نتائج خطيرة، وهي الرجوع عن القرار وهذا أمر مستبعد،  لأن فيه انتصارا مدويا للقضية الفلسطينية وهزيمة نكراء لإدارة ترامب وإجبار إسرائيل على التسليم بالقرارات الدولية أساسا للحل.

والثاني، هو التخفيف من مفاعيل القرار، إما بتأجيله أو ربطه بعرض تقبل به السلطة الفلسطينية، من حصر السيادة المطلقة لإسرائيل على القدس، وذلك بإعادة تعريف القدس جغرافيا، وبما يوفر لها سيادة على الأماكن المقدسة وبعض أحياء القدس القديمة أو القدس الشرقية، أي محاولة استعادة اتفاقات كمب ديفيد (2) بين ياسر عرفات وايهودا باراك.

والثالث، وهو الحرب، وبكسر إرادة الرافضين للقرار.

فلننتظر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق