قضايا ومتابعات

لبنان النفط: هكذا سينقلب رأسا على عقب

حسين حمية

لم تكن ولادة لبنان الكبير في العام 1920 نتاج إرادة لبنانية صرفة، كانت المسألة النفطية حاضرة في تشكيله أيضا بعد اتفاق الأنكليز والفرنسيين على حصصهما من نفط كركوك بعد انتصارهما في الحرب العالمية الأولى، وكانت الحاجة لتصريف الحصة الفرنسية من نفط العراق تدفع حكومة باريس حينذاك تأمين مرفأ بحري آمن على البحر المتوسط، فكان قرار الجنرال غورو بضم مناطق جديدة لجبل لبنان توفر لدولته منافذ بحرية مضمونة الولاء، وكان تشكيل لبنان بجغرافيته الحالية.
بعد قرار مجلس الوزراء الأخير بتلزيم التنقيب عن النفط، يعود النفط مجددا إلى صيغة لبنان، لكن ليس من زاوية جغرافيته، إنما من زوايا أخرى، فالنفط اينما حضر، يحتاج إلى مقدمات وتمهيد وضمانات، ولا يكون خبط عشواء.

في 15 من هذا الشهر، عنّون أحد المواقع الالكترونية العالمية تغريدة للرئيس سعد الحريري  ب” الحريري يفاجىء اللبنانيين بتغريدة ستقلب حياتهم رأسا على عقب”، وكان القصد من هذا العنوان الإشارة إلى موافقة مجلس الوزراء على الإجازة بالتنقيب عن النفط في بلوكين اثنين (4 و 9) من المنطقة الاقتصادية التابعة للبنان قبالة شواطئه الشمالية والجنوبية.

وبمقتضى هذه الموافقة أجاز وزير الطاقة سيزار أبو خليل عبر عقدين مع كونسورتيوم يضم شركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتيك الروسية، مباشرة عمليات استخراج النفط بدءا من العام 2019.

على خلاف البهجة العارمة للطبقة الحاكمة بجناحيها (السياسي والاقتصادي)، لاقت الطبقات الشعبية هذا التطور بردود فعل باهتة، بين اللامبالية به أوالهازئة منه وفي احسن الأحوال تعويل شديد التواضع في قدرة هذا التطور على إحداث تغيير في نمط معاشهم والتخفيف من ضائقتهم الحياتية.

يُعذر المواطن اللبناني على “حدسه” حيال حكّامه، وهو حدس قديم خبره بسياساتهم التصاعدية في إفقاره وإضاعة الفرص عليه منذ قيام دولته الاستقلالية، وإحباطه من فشل محاولاته في تغييرهم أو إرغامهم بالطرق الديموقراطية على تبني برامج سياسية واقتصادية تنقله إلى واقع أفضل، اضف، أن هذا المواطن بات على دراية كاملة بطبيعة نظامه السياسي واستعصائه عن الإقلاع عن سياسات عابرة للمساءلة والمحاسبة والمراقبة وتخضع لأهواء ومصالح قلّة من الناس لا تتجاوز نسبتها ال 4 بالمئة من اللبنانيين وتتنعم بالوقت نفسه بمعظم خيرات البلد وثرواته.

لكن ما لا يُعذر، هم النخبة المثقفة وأصحاب الرأي والفكر، عندما انحصرت وجهات نظرهم الانتقادية في مسألة الثروة النفطية والغازية ببعد واحد، هو التركيز على شهية الطبقة الحاكمة في ابتلاع مداخيل هذه الثروة، وسنّها مسبقا قوانين تشرّع تحاصص النفط وذهاب مداخيله إلى المزاريب المعروفة.

لكن المسألة النفطية لا تتوقف فقط، عند ما يحيط بها من شبهات في تنظيمها وإدارتها وتوزيع مداخيلها، وإثارة هذه القضايا لن تلفت أبصار اللبنانيين إلى مصالحهم الفعلية والتي ستظل مصوّبة نحو المداخيل الوهمية من لعبة التغالب الطائفي والمذهبي.

تحصيل لبنان ما يقارب ال 4 مليارات دولار من نفطه بعد سنة واحدة، ليس أمرا عابرا، والمسألة باتت تتجاوز الترحيب أو اللامبالاة أو الانتقاد والتشهير بالسلطة والنظام، ولو قصد عنوان الموقع الالكتروني أمرا آخر، نحن على أبواب انقلاب في لبنان، ستتوزع آثاره وتداعياته على أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

والمسألة لن تتوقف عند تكاثر ثروات الطبقة الحاكمة، لا شيء اسمه تكاثر أو توالد، وكما يقول جوزيه ساراماغو التكاثر هو نفسه التوالد، وعليه، سنكون أمام ولادة جديدة للطبقة الحاكمة، ولو كانت من سلالة الطبقة الحالية إلا أنها ستختلف عنها بكثير من الطبائع والمواصفات، وجديدها سيترك بصماته في كل مناحي حياتنا، والتبدلات لن تقتصر على العلاقة بينها وبين الطبقات الأخرى إنما ستطاول العلاقات البينية لأطرافها أيضا، وبينها وبين الدولة كمؤسسات وأجهزة مالكة لهذه الثروة.

كذلك ما يجدر التوقف عنده، هو الجهات التي تدفع ال 4 مليارات للبنان، وأصول استثمارها بالتأكيد تفوق هذا المبلغ بأضعاف، وهذه ولو كانت شركات إلا أنها تملك (نعم تملك) حكومات في دول كبرى، ولا ضرورة للقول أن استثماراتها مدروسة وعقلانية، ولا تسلّم رقابها لأي دولة، لقد غطست في أعماق دولتنا قبل أن تغطس في بحرنا لاستخراج النفط، ومن الطبيعي أن تطالب بتكييف الدولة طبقا لشروطها الاستثمارية وحفظ حقوقها، وهذا التكييف سيكون من خلف الستارة خصوصا أننا في بلد يفتقد لمبدأ الشفافية والرقابة الفعالة.

إرهاصات التغيير بفعل قرار الإعلان عن اكتشاف النفط هي قديمة، هناك أحداث في الماضي سيثبت المستقبل علاقتها بقدوم الشركات الثلاث، أليس هناك روائح نفطية في عقد مؤتمرين لدعم لبنان الأول في روما والثاني في باريس؟ أيضا، بعد استقالة الحريري وتريثة ومن ثم عودته عن هذه الاستقالة، لم تكن المفاجآت التي واكبت هذه الحدث بعيدة عن المسألة النفطية، ويجدر التأمل جيدا في الكلام الذي قيل عن استقلالية القرار اللبناني أو الشدو على الوطنية اللبنانية، هل اكتسبت الاستقلالية والوطنية مقويات نفطية؟ لكن سؤال المواطن كيف سيتم تسييل هذه الاستقلالية والوطنية في توزيع مداخيل الثروة النفطية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق