رصد

إسرائيل تنحرف عن سياسة “المعركة بين حربين”: بداية مرحلة جديدة….

بقلم: عاموس يادلين وآساف اوريون
في السنتين الماضيتين تركزت «المعركة بين حربين»، التي أدارتها إسرائيل في الأراضي السورية، والتي شملت، حسب التقارير، مئات الهجمات ضد أهداف إيرانية وأهداف لمبعوثيها، في محاولة لمنعهم من التمركز العسكري وبالتالي زيادة التهديد على إسرائيل من هناك. في أعقاب ذلك طرحت في السنة الأخيرة إمكانية أن تنقل إيران جزءاً من جهودها إلى العراق ولبنان. وحذرت شخصيات إسرائيلية رفيعة من ذلك، ووعدت بشكل علني بالعمل على منع ذلك.
في الشهر الماضي ألقت جهات في العراق المسؤولية على إسرائيل عن مهاجمة أربعة مخازن للسلاح تعود للمليشيات الشيعية العراقية (الحشد العربي)، التي تم تفجيرها. وأعلنت مصادر أميركية أن إسرائيل هي التي هاجمت على الأقل جزءا من الأهداف (في حين أن مصادر أخرى في الولايات المتحدة أشارت إلى أن جزءا من التفجيرات ربما سببتها حرارة الصيف العالية وظروف أمان متدنية. كذلك في إسرائيل كان هناك من نشروا إشارات حول المسؤولية الإسرائيلية.
في نهاية الأسبوع أعلنت إسرائيل بأنها أحبطت محاولة تخريبية لطائرة مسيرة مفخخة خططت لتنفيذها «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني من هضبة الجولان. وأن القوة المنفذة هوجمت في عقربة التي تقع قرب دمشق، وقد تم الإبلاغ عن طائرتين مسيرتين مفخختين عملتا في معقل «حزب الله» في الضاحية الجنوبية في بيروت (الضاحية)، تفجرت احداهما وتسببت باضرار في مكتب لـ «حزب الله». بعد ذلك تم الإبلاغ عن أن هدف الهجوم كان منشأة لزيادة دقة الصواريخ. في وقت قريب من خطاب حسن نصر الله، الذي تضمن تطرقا شديد اللهجة للموضوع، حدث هجوم آخر من الجو لسيارات مليشيا شيعية على الحدود بين العراق وسورية، والذي أدى إلى قتل أشخاص وتدمير سلاح صاروخي. ربما أنه في اليوم التالي نفذ هجوم آخر ضد مليشيات شيعية في منطقة بوكمال في شمال شرق سورية.
تعكس خصائص النشاطات في الفترة الأخيرة انحرافاً عن سلوك إسرائيل حتى الآن بالمستويات التالية:
ساحات العمل: توسيع حدود المعركة الى العراق ردا على جهود إيران لتوسيع ساحات عملها ضد إسرائيل، ايضا الى العراق، ولأن حكومة العراق وضغوطا أميركية لم تنجح في منع ذلك. يستخدم العراق كحلقة في سلسلة لوجستية لنظام جهاز المبعوثين الإيرانيين وكقاعدة إطلاق محتملة لصواريخ دقيقة ضد إسرائيل. إن شمول ساحة العمليات في العراق في حدود المعركة بين الحربين، والتي في السنوات الأخيرة تركزت في الأساس على سورية، هو تغيير مهم. حتى الآن فان الاهتمام في إسرائيل بهذا التغيير قليل، ربما بسبب غياب تداعيات فورية وملموسة لهذا القرار. ولكن هذا لن يبقى محصنا.
الأكثر أهمية هو العمل في لبنان، مهاجمة طائرات مسيرة مفخخة في بيروت ضد مشروع زيادة دقة الصواريخ، ورغم أن إسرائيل امتنعت في البداية عن التطرق للعملية اعتبر الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة هناك الهجوم إعلان حرب. أوضح نصر الله في خطابه بأنه ينظر بخطورة زائدة للعملية، وأكد أنه من ناحيته تم اختراق خطوط حمر: هجوم أول، صريح، وفظ على لبنان، خلافا لـ «قواعد اللعب» التي تم تشكيلها منذ الحرب، وقتل مقاتلين من «حزب الله» في سورية. وأكد أيضا التحديد في الاستخدام الهجومي لطائرات يتم التحكم بها عن بعد كوسيلة تفجير انتحارية لمهاجمة أهداف.
منذ بداية تشكل المعركة بين حربين فان أحد مبادئها القائدة هو الامتناع عن التصعيد وإدارة العمليات تحت منسوب الحرب، وذلك عن طريق تقليص شعور دافعية العدو باتخاذ رد يؤدي إلى التصعيد: زيادة العمليات الهجومية في البعد الزمني والجغرافي من اجل تمكين النظام المعادي من «البرود والحرص على صورة علنية منخفضة تسمح للعدو المهاجم بـ «مساحة نفي»، ويقلص الضغوطات السياسية والجماهيرية التي ستدفعه إلى الرد.
وتيرة العمليات: الانفجارات الأربعة في مخازن السلاح في العراق خلال شهر، وأربع هجمات خلال أيام في سورية، العراق ولبنان تدويان في ساحات العمليات وفي ساحة المعركة كلها. تواصل الأحداث في العراق حركة ردود جماهيرية وسياسية، زادت التوتر بين حكومة العراق والقوات الأميركية التي تستضيفها. أوضح نصر الله بأنه غير مسؤول عن الرد على الهجمات في العراق، لكنه يصمم على أن يمنع بكل السبل تطورا مشابها في لبنان. تعرض «حزب الله» الى ضربتين في ليلة واحدة – قتل مقاتليه في سورية ومهاجمة معقله في بيروت. المعلومات الاستخبارية المفصلة والعملياتية، التي كانت من وراء القرار بزيادة الوتيرة، لم يتم نشرها. وبدونها يمكن فقط التقدير بأن قرار تنفيذ جميع العمليات في الشهر الأخير يعكس تفضيلا لضرب متراكم بوتيرة عالية. وإزاء مخاطرة أعلى بالتصعيد. هذا انحراف في تاريخ المعركة بين حربين حتى الآن.
العلنية: تم إصدار إشارات عن الهجمات في العراق في المنشورات في إسرائيل وفي الولايات المتحدة. أعطي الهجوم في سورية في إسرائيل تغطية واسعة، يبدو من أجل تبرير هجوم قاتل ومبادر إليه بهدف إحباط عملية. يفسر هذا التبرير النشر المقتضب والجامد، لكن ليس تصريحا تلفزيونيا لرئيس الحكومة في هضبة الجولان، حيث كان الى جانبه رئيس الاركان وظهره لسورية. هكذا، تطرق نصر الله الى ذلك بتفاخر. صورة لأقوال رئيس الأركان، الذي قاد قيادة المنطقة الشمالية وهو يجلس على رأس الطاولة في فرقة «هبشان»، وتغريدات متحدية للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي ضد الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني، هذه شاذة ايضا عما هو مطلوب وعما هو معروف. في الأيام الأولى بعد الهجوم في بيروت لم يكن هناك تطرق رسمي في إسرائيل، باستثناء توجيهات أولية للمراسلين. يوم الاثنين نشر (في الصحف الاجنبية) أن هدف الهجوم كان خلاط لمواد تستخدم في إطار مشروع تحسين دقة الصواريخ. ربما استهدفت التسريبات شرح مبرر الهجوم واهميته، لكنها ايضا تزيد حرج «حزب الله» وربما ايضا تدفعه الى الرد.
– على الصعيد الاستراتيجي، مشروع زيادة دقة الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله يعتبر في إسرائيل تهديد خطير على أمنها. بعد أن عرض رئيس الحكومة في الامم المتحدة صور لمواقع المشروع، غير حزب الله تموضعها. لكنه واصل جهوده كي ينتج لنفسه قدرات اصابة واسعة لأهداف حساسة في إسرائيل. جهود تحسين الدقة تجري ايضا في العراق كما يبدو. عندما لم ينجح احباط العمليات بالوسائل السياسية، قررت العمل الهجومي حيث خطورة التهديد تبرر الزيادة في مخاطرات التصعيد. في هذا الاطار من المنطقي أن إسرائيل تقدر أن اخطار اندلاع حرب في اعقاب الهجمات ليست عالية، لأنه في الوضع الحالي سيفضلون في حزب الله وإيران الامتناع عن تصعيد واسع.
– على الصعيد العملياتي، نشاطات العدو هي اللبنة الاولى في تخطيط عمليات الهجوم، وأحيانا هي ايضا التي تملي فرصة تنفيذية ضيقة. قدرات استخبارية وعملياتية تمكن إسرائيل من ضرب جهود العدو، لكن احيانا يضاف اليها دوافع خاصة بها. توقيت الهجوم في سورية جاء نتيجة وتيرة تقدم خطوات العدو. سبب التوقيت ووتيرة الهجمات في العراق واضحة تماما. الهجوم في بيروت نفذ كما يبدو في نافذة فرص محدودة عندما كان الهدف موجودا في تخزين مؤقت قبل نقله الى موقع محصن. ربما أن التقارب الزمني والتشابه في الادوات (الطائرات المسيرة المفخخة بين الهجوم في سورية والهجوم في لبنان) صدفي.
– على الصعيد السياسي/ السياساتي، عمليات المعركة بين حربين الأخيرة تظهر جرأة وتصميما وقدرة على اتخاذ قرار لرئيس الحكومة ازاء التهديد الإيراني، وكذلك استعداده للمخاطرة. في حين أن مرشحي الاحزاب للانتخابات يتنافسون فيما بينهم من يستطيع أن يجلب «أمنا أكثر»، هالة العمليات ضد إيران يمكن ربما أن تساعد رئيس الحكومة، الذي يتعرض لانتقاد من اليمين ومن اليسار بسبب الرد «الضعيف جدا» على تحديات «الارهاب» من غزة والضفة. ايضا اذا كانت العمليات نفسها قد صودق عليها بدون أي اعتبارات سياسية، فان التصريحات التي رافقتها مغروسة جيدا في المجال السياسي. على الصعيد السياساتي يبدو أن هناك خطوات قبيل امكانية أن تتطور مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في الموضوع النووي، لا تلائم نفسية رئيس الحكومة الإسرائيلي. ربما انه اضافة الى المس بقدراتها، زيادة الضغط الهجومي على إيران وشركائها، استهدف دفعها الى رد سريع، ربما يمس باحتمالية فتح حوار بين إيران والولايات المتحدة. على الصعيد الداخلي الإيراني ليس واضحا أن الضربات التي تلقاها قاسم سليماني ومبعوثوه تعزز مؤيدي الخط المتشدد في القيادة أو أنها بالضبط تضعفه.

تداعيات محتملة
تصعيد محتمل في لبنان: في خطابه الأخير حذر نصر الله من أنه على ضوء مهاجمة الطائرات المسيرة فان منظمته لن تسلم أكثر بوجود طائرات بدون طيار لإسرائيل في سماء لبنان، وسيعمل على إسقاطها. وعلى شهدائه في سورية وعد برد مناسب، حيث إن سكان إسرائيل «يجب أن لا يكونوا بأمان في أي جزء منها». ودعا جنود الجيش الإسرائيلي أن يقفوا مستعدين للرد. يقدر جهاز الأمن بأنه قد تزايد خطر الرد من لبنان، وهو مستعد طبقا لذلك لتقلص الانكشاف والدفاع واحتمالات هجومية. على ضوء مساحة ضبط النفس المقلصة التي تركها نصر الله لنفسه، يمكن أن يتوقع رد هجومي ما. مصادر لبنانية اكدت أن «حزب الله» يطمح الى تنفيذ عملية رد محسوبة، ولكن عملية لا تؤدي الى حرب. في السابق تضمنت ردوده إطلاق صواريخ قنص وصواريخ مضادة للدبابات وهجمات بالعبوات من سورية ولبنان. في حين هذه المرة من المعقول أن يرد من لبنان وربما ايضا بهجوم بوساطة الطائرات المسيرة، التي توجد تقارير اولية عن نشاطها في الحدود، سبق وسجلت في الاشهر الأخيرة. بمقاربة العين: من شأن «حزب الله» العمل على اسقاط وسائل طيران إسرائيلية في لبنان، ومحاولة المس بعدد قليل من الجنود، بما في ذلك اصابات قاتلة تضطر إسرائيل للرد عليها. التحدي في ذلك، مثلما حدث في كانون الثاني 2015، هو أن عدد المصابين ليس تحت السيطرة الكاملة لمخططي العملية، ويتأثر جدا ايضا بعوامل صدفية، سواء أنظمة السلاح أو سلوك المقاتلين. بناء على ذلك، اثناء توقع ضرب «حزب الله» لإسرائيل وبوسائل طيرانها أو قواتها، الوضع اليوم أقرب الى التصعيد منذ 2015، حتى ولو أن الطرفين غير معنيين به. والكثير من الجهات الاخرى تعمل على منعه.

توتر متزايد مع الولايات المتحدة
تُحدث عمليات المعركة بين حربين محورين للتوتر: الأول، توتر محتمل مع الرئيس ترامب في موضوع المشروع النووي الإيراني الذي يمكنه أن يرى في عمليات إسرائيل خرق متعمد لجهوده بالدفع قدما بالمفاوضات. الثاني، توتر، سبق أن اندلع حسب ما نشر، بين إسرائيل وبين المؤسسة الامنية الأميركية، وبالاساس القيادة الوسطى الأميركية على ضوء المخاطرة التي يرونها في نشاط إسرائيل في العراق على قواتهم في المنطقة وعلى علاقاتهم مع حكومة العراق.

تزايد الضغط على المعركة بين حربين
إن زيادة الدافعية للرد من جانب محور «المقاومة»، ومخاطر التصعيد المتزايدة في لبنان، والتوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة، وعدم الرضى الروسي، وربما تعزُّز انظمة الدفاع الجوي في المنطقة في المستقبل، تتراكم لتصبح نظام ضغط بارزا يقلل مجال العمل لإسرائيل في المعركة بين حربين، على الاقل في الفترة القريبة القادمة.
خطورة مشروع زيادة الدقة تزيد التوتر بين الحاجة لاحباطه وبين مخاطر التصعيد. ادارة المعركة في ساحات العراق ولبنان يكتنفها مخاطر عسكرية وصعوبات سياسية لا توجد في سورية. في النقطة الزمنية الحالية يبدو أنه من اجل التمكين من استمرار الرد الصارم والفعال لشبكة قتالية للمبعوثين الإيرانيين مطلوب تبريد قليل للامور والعودة الى المبادئ التي تم فحصها للمعركة بين حربين. بدمج صحيح بين وتيرة العمليات وصورة منخفضة بشأن العملية والنشر عنها من خلال الاهتمام بالشركاء والظروف الاستراتيجية. هذا من اجل خدمة أهداف المعركة الاساسية: ابعاد الحرب، منع التصعيد، ردع العدو من مهاجمة إسرائيل، وإبطاء زيادة قوته من أجل تعويق زيادة خطورة التهديد. الظروف والساحات الجديدة بحاجة الى توازن معقد اكثر بين مخاطر المعركة وفرصها مما كان في السنوات الأخيرة في سورية. مرحلة جديدة بدأت.

عن «مباط عال»

جريدة “الأيام” الفلسطينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق