قضايا ومتابعات

ألغاز ال 2017..هل تتفكك في ال 2018؟

حسين حمية

كانت العرب قديما تؤرخ الزمن بالأحداث العظام وليس الأحداث بالزمن كما اليوم، فيقولون عام الفيل نسبة لمحاولة أبرهة الحبشي تدمير الكعبة، وعام الحنان نسبة لمرض فتك بالناس وأهلك الكثير منهم، وعام الغدر وفيه نهبت كسوة الكعبة،ـ وعام موت كعب بن لؤي وهو من خطباء العرب الذي يدعو للبر ولما مات عظّموا موته،  وعام طاعون عمواس وهو الذي أصيب به ابو عبيدة بن الجراح، وهكذا.

ولو صار التأريخ فيما بعد بسنوات التقويم الهجري أو الميلادي أو الشمسي أو القمري، لكن فكرة التأريخ بالأحداث ما زالت، وتُستخدم للإشارة لبدء مرحلة جديدة، وهذا ما يقصده البعض عندما يكتب ما قبل هذا الأمر ليس ما بعده، وإن كانت هذه العبارة تُستعمل في بعض الأحيان بطريقة مبتذلة، لكن هناك أحداث لم يكن ما بعدها مثل ما قبلها.

العالم ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية تغير عما قبلهما، والشرق الأوسط ما قبل الثورة الإيرانية في ال1979 لم يعد كما قبلها، وبسقوط الثنائية القطبية بانهيار الاتحاد السوفياتي في 1990 اختلف النظام العالمي وصار آحاديا وتبدلت العلاقات الدولية بطريقة جذرية، وبأحداث ايلول 2001 انقلبت السياسة الأميركية رأسا على عقب، وبعد الربيع العربي لن يعود النظام العربي إلى سابق عهده أبدا والبلدان العربية تعيش جلجلة البحث عن بديل لهذا النظام الذي لفظ أنفاسه.

مثل هذه الأحداث هي أوسع من السنين التي وقعت فيها، وكل حدث منها هو أم لأحداث كثيرة تأثرت به ونجمت عنه وحملت سماته وخصائصه، فهي كالشجرة، عندما يتفرع جذعها إلى أغصان وكل غصن إلى فروع، وكل فرع إلى أوراق والأخيرة تتفرع إلى ثمار.

على طريقة العرب، كان العام 2017 عام ترامب من أوله لآخره، وإن كانت ال 2018 سيبقى لها أحداث خاصة بها، إلا أن قرارات الرئيس الأميركي في السنة السابقة عليها ستبقى حاضرة بها وبصماتها مطبوعة عليها، بانسحابه من اتفاقية المناخ وتهديده العلاقات بين ضفتي الأطلسي وتقويض وحدة الغرب وممارسة الابتزاز مع حلفاء بلده وتوتير العلاقة مع الصين وحروبه الدائمة مع وسائل الإعلام وتغذيته عن عمد التطرف الديني والقومي ليس في أوروبا إنما حتى في أميركا نفسها.

كان عام ترامب كان عاما شديد الوطأة  وثقيلا على الشرق الأوسط، وليس مبالغة لو احتذينا بالأولين والقدماء، وقلنا إنه عام الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فقراره هذا، لا يعني إطلاق التبدلات والتغيرات في المنطقة، فهذه بدأت منذ غزو العراق في ال 2003 وتدفقت بشكل هائل مع الربيع العربي، إنما قرار الاعتراف ينطوي على تحديد وجهة هذه التبدلات والتغيرات لرسم وجه الشرق الأوسط الجديد، وهي عملية استطالت طويلا، لكن مع قرار ترامب بدأت حقبة أخرى مختلفة عن الماضي.

لقد ذُهل العالم كله من قرار ترامب، وحار القادة والسياسيون والمفكرون من دوافعه وأسبابه، بعضهم رده إلى لاعقلانية وجنون هذا الرجل، وآخرون ربطوه بظروفه الداخلية في الولايات المتحدة بعد التراجع الكبير في شعبيته وحاجته إلى دعم اللوبي الصهيوني، لكن بغض النظر عن البحث في خلفيات قراره، المنطقة تبدلت، وبدأت إعادة بنائها من جديد بعيدا عن الصعوبات والعوائق التي ستعترض عملية البناء هذه.

إعادة بناء المنطقة ستكون على سواعد الصراع الإيراني السعودي، وسقوط الدولة المركزية في سوريا والعراق بما فيه نزع عروبتهما والاكتفاء باللغة العربية اللغة الرسمية، ونهاية حل الدولتين وتخيير الفلسطينيين بين دولة في غزة وشمال سيناء تخضع للوصاية المصرية مع تقاسم الضفة الغربية بين الأردن وإسرائيل أو ترك الرهان الفلسطيني على دولة ثنائية القومية والعمل على تقويض الديموقراطية الإسرائيلية لمصلحة قيام الدولة اليهودية وتعميم نموذج الدول الدينية والمذهبية في المنطقة.

أحداث كثيرة في ال 2017 لن تكتمل إلا في ما بعدها، كانت سنة مشوشة، منها مشروع محمد بن سلمان ورؤية ال 2030 خصوصا تنقية الأحاديث النبوية، والخلاف السعودي الأردني على إدارة الأماكن المقدسة في القدس، وصورة قاسم سليماني على أنه فاتح شيعي، وترميز النضال الفلسطيني بصور الفتاة الفلسطينية الشجاعة عهد التميمي، وقرار التنقيب عن النفط في لبنان بالبلوك المتاخم للبلوكات التي تضع إسرائيل يدها عليها، ومقابلة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مع قناة الميادين ومنحه الأمان لإسرائيل، وتوثيق الجرائم الجنائية في دول المنطقة، إن جرائم الحرب أو جرائم الفساد لتهديد نخب المنطقة وإجبارها على الخضوع للتسويات القادمة، وقريبا نشهد حراك المحاكم الدولية، هناك مغزى في تباهي اروغان بتصريح لافت باستقبال الرئيس السوداني عمر البشير رغم أنف المحكمة الجنائية الدولية.

تمضي سنة ال 2017 خلال الساعات المقبلة، لتسلم أحداثها غير المكتملة بما فيها الوديعة الثقيلة ل2018 وهي مصير القدس، وليس لنا سوى أن ننتظر ما تحمله السنة الجديدة من انقشاعات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق