ذاكرة وأمكنة

عندما ودّع اللينيدي أصحابه على طريقة الحسين!
مناطق نت

يوم واحد فقط بين ذكرى عاشوراء لهذا العام وذكرى الانقلاب الدموي في التشيلي الذي نظمته السي آي إي عبر عميلها الجنرال السفّاح بينوشيت في العام 1973، ضد الرئيس المنتخب ديموقراطيا سلفادور اللينيدي. ليس وحده التقارب الزمني في المناسبتين، يستدعي هذه المقدمة، هناك مشاهد هي ذاتها وتفاصيل هي نفسها، حدثت في المكانين، في كربلاء، وفي القصر الرئاسي التشيلي “لامونيدا” حيث يقيم اللينيدي. لكن أكثرها تشابها، هو بمثل ما ودّع الحسين أصحابه، ودّع أيضا الرئيس الشيوعي أصحابه تاركا لهم الخيار بين النجاة والشهادة، ثم كانت المذبحة التي غمّست القرن الماضي بأكمله بالدم.

كانت ابنة عم الرئيس الشهيد، الكاتبة الكبيرة اليزابيت اللينيدي، صحافية مغمورة في سانتياغو حين حدوث هذا الانقلاب المجرم الذي ذهب ضحيته آلاف الناس، وذكرت وقائع مما شاهدته في 11 أيلول من العام 1973، في كتابها “باولا”، نقتطف منه هذه الفقرة المعبّرة:

حامت القاذفات مثل طيور مشؤومة فوق قصر لامونيدا، ملقية حمولتها بدقة كبيرة، وأدخلت معها القنابل المتفجرة من النوافذ، وخلال أقل من عشر دقائق، كان جناح كامل من المبنى يحترق، بينما الدبابات تقذف من الشارع قنابل الغاز المسيل للدموع. وفي الوقت نفسه كانت طائرات ودبابات أخرى تهاجم المنزل الرئاسي في الحي العلوي. أحاطت النيران والدخان بالطابق الأول من القصر، وبدأ تصل إلى صالات الطابق الثاني حيث ما زال يتمترس سلفادور اللينيدي مع عدد محدود من أتباعه. كانت هناك أجساد ملقاة في كل مكان، وجرحى ينزفون بسرعة، ومن بقوا على فيد الحياة كانوا يختنقون من الدخان والغازات، لم يعودوا قادرين عل إسماع أصواتهم وسط أزيز الرصاص وهدير الطائرات ودوي القنابل. دخلت قوات الاقتحام العسكرية من الثغرات التي فتحتها النيران، واحتلت الطابق الأرضي المشتعل، وأمرت بمكبرات الصوت الموجودين بالنزول على سلم حجري خارجي يؤدي إلى الشارع. أدرك الليندي أن أي مقاومة ستنتهي يمجزرة فأمر من معه بالاستسلام، لأنهم سيكونون أكثر جدوى للشعب وهم أحياء مما إذا أصبحوا أمواتا. ودّع كل واحد منهم بالضغط على يده. استقبلهم الجنود بأعقاب البنادق والركلات، ودحرجوهم من أعلى الدرج ثم أفقدوهم الوعي في الأسفل من الضرب قبل أن يسحبوهم إلى الشارع، وهناك طرحوهم على بطونهم فوق الرصيف، بينما كان أحد الضباط يصرخ متوعدا بهستيرية بأنهم سيجعلون الدبابات تمشي فوقهم. بقي الرئيس حاملا البندقية إلى جانب العلم التشيلي الممزق والملطخ بالدم في الصالة الحمراء المحطمة, اندفع الجنود باسلحتهم الجاهزة لإطلاق النار، وتقول الرواية الرسمية إنه وضع سبطانة السلاح تحت ذقنه وأطلق النار فهشمت رأسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق