قضايا ومتابعات

إيران : هيمنة جوفاء أو حقيقية*

هناك سياسات إقليمية من مصلحتها نشر المبالغات عن الخطر الإيراني، وإيران نفسها من مصلحتها الداخلية نشر مثل هذه المبالغات، لكن الإدراة الكونية لهذا العالم لا تتصرف وفقا لمبالغات تحمي مصالح موضعية.

شلومو بن عامي المؤرخ والسياسي والديبوماسي الإسرائيلي، يعرض في هذه المقالة الأكاذيب التي يجري تلفقيها لتعظيم الكوريدور الإيراني الذي يصل العراق بالبحر المتوسط مرورا بسوريا ولبنان.

ما يمكن استنتاجه من هذه المقالة، هو أهمية بقاء القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة لمنع حدوث صراع إقليمي كبير، وهو الصراع الذي يخشاه الجميع خصوصا أطرافه الإيرانية والسعودية والإسرائلية

مناطق نت

****************************************************************************

 

أمضت اسرائيل والقادة العرب أعواماً وهم يُحذرون من بزوغ إمبراطورية شيعية بقيادة ايران تستحوذ بها على أجزاء كبيرة من الشرق الاوسط، ومع وَصل ايران بالبحر المتوسط عبر كوريدور بري يمتد من العراق الى سوريا وصولاً الى لبنان، هناك كثيرون باتوا يعتبرون هذا الخطر أمرا واقعا، الا ان الخوف من سيطرة إيران الإقليمية يقوم على مبالغات.

لا يمكن انكار ان الشرق الاوسط يزدحم بالصراعات المحلية التي يغذيها عادة تنافس أمراء الحرب، الاّ ان صراعا كبيرا، ليس في مصلحة أي جهة إقليمية، وهذا ينطبق تحديداً على ايران التي لا تستطيع إنزال قوة عسكرية تقليدية خارج حدودها.

عمليا كان القصد من برنامج ايران النووي تعويض ضعفها العسكري التقليدي أمام دول الجوار، خصوصا أن أعداءها أكثر من أصدقائها. كما أن العقوبات الدولية المفروضة عليها من المجتمع الدولي بحجة إعاقة تطورها التكنولوجي واستثماراتها العسكرية، أدت تقويض عملية التنمية المحلية. في حين أن المنافسين الإقليميين لإيران أي، اسرائيل والسعودية يملكان ميزانيات عسكرية اكبر، ويحصلان على التكنولوجيّة العسكرية الغربية الاكثر تطوراً.

إضافة إلى هذا التفاوت، فان الرَواق الايراني البَري الذي يثير الكثير من المخاوف بين جيرانها، هو يعتمد على وكلاء محليين ليس لديهم كفاءات عسكرية، وليس لديهم إمكانات صد   الضربات الجوية الاميركية.

يعتبر العراق رابطا حيويا في الرَواق، وهو يفترض ان يكون اقطاعية ايرانية غير مشروطة ليشتغل وفقا للمشيئة الإيرانية، ولكن انهاء سيطرة الحشد الشعبي الذي يشكل مظلة للميليشيات الشيعية برعاية ايرانية داخل المساحات التي اخلاها تنظيم داعش، يشكل اولوية لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي  والذي يحظى بدعم من المرجع الشيعي العراقي الكبير علي السيستاني.

الوضع في سوريا اكثر تعقيدا ولكنه ليس أفضل كثيرا لايران، فبعد سنوات من دعم طهران لنظام الأسد، وجدت ان الهيمنة الحقيقية في سوريا هي لروسيا،  حيث أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك ان اقناع مجموعات الثوار السُنة بالقاء اسلحتهم كجزء من اتفاق سلام فعال سيكون اكثر صعوبة اذا احتفظت ايران بتواجد اكبر بسوريا، بالمثل أيضا يدرك الاسد انه لا يملك املاٍ ببناء جسور مع معظم سُنّة سوريا اذا اصبح نظامه محمية ايرانية.

مشكلة ايران الاكبر في سوريا  هي اميركا واسرائيل، فالاولى حافظت على تواجدها العسكري في البلاد حتى بعد هزيمة داعش لكي تمنع ايران من استكمال سيطرتها الإقليمية، كما ان سلاح الجو الاسرائيلي لن يسمح بوجود عسكري ايراني فعّال في سوريا، ويُدرك قادة ايران ان مغامرة حرب هناك قد  تعرض بُنية ايران النووية غير الحصينة لأخطار كبيرة.

كما أن نفوذ ايران في لبنان ايضاً يتجه نحو التقييد، فبعد أعوام من خدمته لسلالة الاسد، يعمل حزب الله الآن على استعادة شرعيته المحلية حتى بالدفع الى عودة سعد الحريري قائد حلفاء  14 آذار الى رئاسة  الوزراء، فهذا يعكس رغبة قوية في الحفاظ  ظاهريا على النظام المؤسساتي في لبنان، ويشير الى ان حزب الله لم يعد يضع ضمن  اهتماماته حرباً مع اسرائيل وكذلك  الامر بالنسبة لايران.

المؤكد  هو ان ايران  كما الاتحاد السوفياتي تملك وجهة نظر توسعية خارجية طويلة الامد  كأفضل وسيلة لحماية نتائج الثورة في البلاد، ولكن كما اظهرت التجارب السوفياتية والايرانية فان الفشل  في ادارة التحديات المحلية  يشكل تهديدا اكبر لشرعية النظام،  وفي الوقت الذي  يعتمد فيه مستقبل رواق ايران البَري على الوكلاء الاجانب  فان مستقبل الجمهورية الاسلامية  يعتمد على قدرة ما يقدمه  قادتها في البلاد.

يبدو انّ قادة ايران يضعون حاجات وكلائهم فوق حاجات مواطنيهم، وبالرغم من فشل الاتفاق النووي عام 2015 في تحقيق توقعات الايرانيين الاقتصادية العالية، يواصل المسؤولون الايرانيون بانفاق مليارات الدولارات على حزب الله وحماس في فلسطين والحوثيين في اليمن، ولقد انفقت ايران  ما يقارب 10 مليارات دولار في سوريا لدعم الاسد.

لقد اجبرت نتائج الانفاق المالي ايران  على خفض بعض المعونات الكبيرة التي عززت  طويلاً الدعم  الشعبي للنظام،  فالاحتجاجات التي قام بها معطم شباب الطبقة العاملة حيال الخفض الكبير في دعم الغذاء والوقود سرعان ما تطور الى مظاهرات ضد الحكومة الدينية الايرانية ما انعكس هتافات بالموت لـ  “علي خامنئي” مرشد الجمهورية الاسلامية.

ثلاثة اجيال  يمكن اعتبارهم زمناً طويلا لصمود اية مدينة فاضلة ثورية سواء اكانت الجمهورية الاسلامية الايرانية ام الاتحاد السوفياتي، المواطنون الإيرانيون تزداد قطيعتهم مع النظام وشعاراته، في وقت عمقت التكنولوجيا الرقيمة من انقسام الاجيال.

في الثماننينات وفي مواجهة الهجوم الوحشي من صدام حسين  وقف الايرانيون  خلف النظام للحفاظ على بلدهم، وفي ذاك الزمن، لم يخضعوا لصعوبات شبيهة حاليا  باسم الحفاظ على البؤر الاستيطانية في سوريا واليمن او الحفاظ  على رواق بَري الى الشرق الاوسط. بوجود نصف الشعب الايراني تحت سن الثلاثين ومع بطالة تبلغ 25 % ليس مُفاجئاً  بسماع هتافات تخلوا عن سوريا وفكروا بأمرنا.

اهتمام ايران بتجنب حرب خارجية تشكل أنباء سارة لاعدائها الذين لا يتمتعمون تحديداً  بموقع قوة لخوض اشتباكات عسكرية خارجية، فالعربية السعودية تحديدا  تواجه اصلاحات محلية صعبة  من بينها جهود لايجاد تنوع اقتصادي في الوقت الذي نراها فيه غارقة في تدخلاتها العسكرية في سوريا واليمن. قد تكون ايران مُفسدة في الشرق الاوسط وليست مُهيمنة اذا اردنا الجدل خلاف ذلك بناء لما تريد ان تفعله اسرائيل والقادة العرب، يرجح نشوب صراع  دموي ومدمر ومزعزع للاستقرار والذي ترغب جميع الاطراف بتجنبه.

  • *ترجمة علي حمدان.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق