قضايا ومتابعات

الخطاب المناطقي في بعلبك الهرمل في مواجهة الثنائي الشيعي؟

حسين حمية

تطغى على الخطاب الانتخابي لمعارضي الثنائي الشيعي في منطقة بعلبك الهرمل، نبرة مناطقية حادة، تستمد ترجمتها من ضآلة الحصة الإنمائية للمنطقة، وهزالة الكوتا الوظيفية المخصصة لها في المواقع الأولى بإدارات الدولة ومؤسساتها، وضعف دور مرجعيات وفعاليات مكونها الأكثري ( أي الشيعي) في القرارات الكبرى للطائفة إن بأحزابها أو مؤسساتها، إضافة إلى الحرمان المزمن الناجم عن سياسة إدارة الظهر التي مارستها الدولة في العقود الماضية، والتي تسببت في هذه الفجوة الإنمائية الهائلة بين منطقة بعلبك الهرمل وسائر المناطق اللبنانية.
يقوم هذا الخطاب على توجيه اتهامات صريحة للثنائي الشيعي، بممارسة التمييز المناطقي باستئثار المكون الجنوبي للطائفة الشيعية بمجمل المكاسب التي حققها الشيعة في مرحلة دولة ما بعد الطائف، ويتم التعبير عنه همسا في الاحتفالات العامة، وجهارا في وسائل التواصل الاجتماعي والمجالس الخاصة.
القوى ذاتها التي ترفع هذا الخطاب المناطقي بوجه الثنائي الشيعي، كانت تصارعه انتخابيا في دورتي انتخابات ال 2005 وال 2009 ب إبان احتدام المواجهات السياسية والشعبية بين فريقي 14 آذار و8 آذار تحت شعارات مختلفة وبعيدة عن المناطقية، لقد كانت الظروف السياسية وقتذاك تفرض شعارات انتخابية عابرة للمناطق، خصوصا أن تلك المواجهات اصطبغت بألوان مذهبية وطائفية، فغاب الاقتراع بدافع مناطقي لمصلحة الاقتراع حفاظا على قوة المذهب والطائفة.
لكن مع التسوية السياسية التي تدير اليوم البلد وتفكك فريق 14 آذار وتراجع حدّة الخطاب المذهبي مع شبه غلبة للشيعية السياسية، ذهبت هذه القوى إلى جانب المتضررين من ترشيحات الثنائي الشيعي في المنطقة وممن يجدون فرصة للفوز في ظل القانون النسبي الجزئي الحالي، إلى تعبئة الفضاء الانتخابي بشعارات ومطالبات مناطقية، تراها مناسبة لاختراق الكتلة الانتخابية الصلدة لحزب الله وحليفه الشيعي حركة أمل، ومحفّزة لبقاعيي الشمال الناقمين على أوضاع منطقتهم للاقتراع ضد الثنائي الشيعي.
صعود الخطاب المناطقي في بعلبك الهرمل إلى السطح، ليس بدفع محلي أو نتيجة تفشي نعرة خاصة بهذه المنطقة، وإذا يلقى رواجا موضعيا، فهذا يعود لغياب السياسة بشكل عام عن الانتخابات برمتها في كل لبنان بخلاف الدورات السابقة. فاليوم، كل القوى الرئيسة في البلد تخوض المنافسة الانتخابية المقبلة بأهداف واضحة ومعروفة هي الحفاظ على مواقعها في السلطة فقط لا غير، تاركة الشؤون الكبرى التي تختلف عليها للأقدار الإلهية والتطورات الخارجية، وهذا ما تشي به تحالفاتها الانتخابية والحديث عن لوائح يجتمع فيها شعبان ورمضان لتأمين الحاصل الانتخابي.
يغتذي الخطاب الانتخابي المناطقي من الظروف الاقتصادية المتردية للمنطقة وارتفاع نسبة العطالة عن العمل في صفوف أبنائها والكلفة العالية التي يتقاضاها سماسرة التوظيف في أسلاك الدولة وظهور اقتصاد الجريمة وتكاثر مربعات الفلتان الأمني ورداءة خدمات الدولة على كل المستويات الحياتية والأمنية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية، مقارنة بالمناطق االجنوبية التي استطاعت أن تراكم لجهة نوعية وجودة خدمات الدولة التي تحظى بها والإنماء وتخفيف الفقر والبطالة وتحسين المستوى المعيشي وتطوير بناها التحتية واجتذاب الاستثمارات وتمكين أبنائها من احتلال مواقع عليا في أجهزة الدولة وقراراتها.
ينطوي الخطاب المناطقي في حال تصاعده على خطورة تمس الوحدة السياسية للطائفة الشيعية التي يقيم عليها الثنائي الشيعي نفوذه، فهذه الوحدة لم يشيدها مؤسسها السيد موسى الصدر على حوافز مذهبية صرفة، إنما أيضا على قضية اجتماعية واحدة ومظلومية واحدة تجمع الجنوب وبعلبك الهرمل هي الحرمان الذي كانت تتساوي به المنطقتان إلى جانب المناطق اللبنانية الأخرى في عكار والضواحي الفقيرة في العاصمة، أضف ان الإمام الصدر كان بشخصيته الإصلاحية والمافوق حزبية والمافوق جهوية وحرصه على إقامة توازن فيه تنويع مناطقي لتصنيع قرار الطائفة، كان بذلك يطفىء اي نعرة جهوية تعيد الشيعة إلى الانقسام المناطقي.
مثل هذا الخطاب المناطقي قد بلغ أسماع الثنائي الشيعي، وإذ كان يمارس الصمت تجاهه، إما غير آبه له لمحدودية تأثيره انتخابيا أو يتصدى له بالإنكار والتجاهل، غير أن في شعار حزب الله الانتخابي “نحمي ونبني” ، إشارة على عدم اكتفائه بالاحتفاظ بجمهوره بشكل عام والبقاعي بشكل خاص بالاستناد فقط إلى إنجازاته الحربية المشهودة في صراعه مع إسرائيل وتحرير الجنوب أو في دحر التنظيمات الإرهابية من على تخوم منطقة بعلبك الهرمل. من هنا “نبني” بمعية نحمي، تعني التفاته إلى مآخذ أنصاره في المنطقة في تكريس قوته السياسية لمصلحة مهمة واحدة هي المقاومة وإهماله مشاكلهم وهمومهم الحياتية الآخذة بالتزايد والتي توسع الفجوة بين منطقة بعلبك الهرمل وبقية المناطق الأخرى.
قد ينجح الخطاب الانتخابي المناطقي – كما سبق القول- موضعيا في بعلبك الهرمل، وقد يكتسب قوة ما، نتيجة قانون الانتخاب النسبي الجزئي بالصوت التفضيلي، لكن لن يصنع قوة استقطابية تشكل ندّا لحزب الله أو لحركة أمل، فهو من جهة، يفتقر إلى العلمية والموضوعية وغير مدعّم بالإحصاءات والأرقام والأدلة التي تثبت التمييز المناطقي لدى الثنائي الشيعي، ومن جهة أخرى هو خطاب تشجع عليه جهات ذرائعية بهدف توظيفه للكسب الانتخابي، وهي هذه الجهات نفسها (مع استثناءات لبعض المرشحين) لا تملك استقلالية ومعروفة ولاءتها السياسية على مستوى الوطن وتنتمي إلى قوى سياسية وطائفية أخرى تسعى للدخول إلى الحدائق الخلفية للثنائي الشيعي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق