حدث وكومنت

الرجل الذي ليس له أحد

كان واحدا من أشياء الطريق، كنت التقيه يوميا بعد الظهر أثناء رياضة المشي، كان يقتعد حجرا بالقرب من تخشيبته، ومرات ومرات حاولت أن اتبادل النظرات معه، لأحييه ولو بإيماءة رأسي، لكن كان يرمي نظراته بعيدا عنّي.
في الصيف كان مكانه أقرب إلى مستديرة الليلكي، ومنذ شهرين تقريبا بقي بذات الشارع، لكن اقترب بضعة أمتار من مستديرة الكفاءات وابتنى هذه التخشيبة، اعتقد أن أحدا طلب منه الابتعاد إلى قرب مستوعبات الزبالة.
وإذ كان يجلس عند مدخل قطعة ارض كبيرة فيها مولدات كهربائية ضخمة ويركن فيها أحيانا شاحنات، اعتقدت أنه يعمل ناطورا، لكن مع بنائه التخشيبة على الرصيف، أدركت أنني كنت مخطئا.
لم أره يوما مع شخص آخر إطلاقا، مرة وحيدة شاهدت امرأة تجلس بجانبه، من دون أن يتبادلا الحديث. التبس عليّ من تكون بالنسبة له، هل هي زوجته أم أنها امرأة متسولة أنهكها الدوران، وأرادت أن تأخذ قسطا من الراحة؟ كان مشهدهما مؤلما، وتابعت طريقي مسرعا طاردا صورتهما من رأسي، فأنا أعرف ما تقول نظراتهما، فالحياة تتسع لأمثالي وهي ضيّقة جدا عليهما.
ولا مرّة سألت من يكون هذا الرجل؟ لولا سواد بشرته المائل للازرقاق، لقلت أنه لبناني أو سوري،ولا تقاسيم وجهه سريلانكية أو هندية أو نيبالية، أنا بطبعي لست حشريا، وهو أيضا على الرغم من مشاهدته لي يوميا لم يفسح لي المجال، لنفتح أي حديث.
أول من أمس، مررت من قرب التخشيبة كانت فارغة ومكشوفة على غير العادة، لم آخذ ولم أعط، وعندما رجعت إلى البيت، خطرت صورته في رأسي بلمح البصر، ولم تستحثني على التفكير به.
بالأمس، أيضا، كانت التخشيبة فارغة ومكشوفة، وهو عادة يسدل غطاء عليها حتى لا يرى أحد أشياءه الزهيدة، سألت عنه شبانا في مقهى مجاور، فقالوا لي: “الإيراني. لقوه ميت”.
لا يعرفون السبب، إنما ليس له أحد….طيفه يتردد عليّ، لكن أخرجه بسهولة من رأسي، مع أنني أشعر بمرارة الندم…لماذا لم أتحدث معه..أو أحييه رغما عنه.
ح. ح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق