قضايا ومتابعات

لغز سقوط الانطونوف الروسية في حميميم..وحروب الردع الخفية

حسين حمية

ما يجري في سوريا أو في محيطها، هو أصغر بكثير من السجال الروسي الأميركي، أو أن هناك من يتعمد تصغيره، إما لنقص في المعلومات، وإما بناء لطلب ما، إن في موسكو أو واشنطن، غير أن توالي أحداث معينة في هذا البلد، يخدش عفويتها ويضعف ذريعة المصادفة ويوقظ الشكوك ويثير الظنون.
في هذه المرحلة، إن آخر تقييم للعلاقات الروسية الأميركية بشهادة مسؤولي البلدين هو الاسوأ منذ انتهاء الحرب الباردة بانفراط الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو اوائل التسعينيات، لكن في عزّ تلك الحرب، كانت العدوانية المتبادلة بينهما، محكومة بقواعد دقيقة للصراع وقابلة للاحتواء بما يبدد حدوث مواجهات مباشرة بينهما.
ومع أنهما تقاسما الألعاب الحربية والعسكرية في سوريا، الأميركيون وحلفاؤهم في شرق الفرات، والروس وحلفاؤهم في غرب النهر، إلا أن الملاحظ بالأسابيع الماضية الشدّة المفرطة التي يستخدمها كل الطرف تجاه حليف الطرف الآخر.
لقد تزامن التدمير المريب (من وجهة نظر الروس) ل 12 طائرة روسية روسية في مطلع شهر كانون الثاني بمطار حميميم، مع اتفاق موسكو مع إنقرة على السماح للأتراك بعملية عسكرية تستهدف القوات الكردية في عفرين، وهو اتفاق زاد في توسيع الشرخ بين الأميركيين والأتراك، وحفّز اردوغان على الذهاب بعيدا في تحالفه مع موسكو، وتعقيد علاقته أكثر مع واشنطن التي باتت تجد صعوبات في إرضائه.
كان الرد الأميركي، بالإعلان عن استراتيجية جديدة في المنطقة، نسفت فيها جميع الجهود التي راكمها الروس في استانا وسوتشي، وبمقتضى هذه الأستراتيجية أعلنت واشنطن استمرار تواجدها العسكري في سوريا وعدم مشاركة الغرب في إعمار ما دمرته الحرب إلى حين حل الأزمة السورية وفقا لمؤتمر جنيف حصرا، وبما يعني إزاحة الرئيس بشار الاسد عن الحكم لمصلحة المعارضة السورية الموالية لأميركا وحلفائها.
شن الروس وحلفاؤهم هجمات شديدة العنف على المعارضة السورية إن في أحياء دمشق أو ريفي إدلب وحلب، وللجم هذه الهجمات، اخذ الأميركيون يحذرون من استخدام الغازات السامة في هذه الغارات، ومن جهته، هدّد علي أكبر ولايتي بطرد الأميركيين من الأراضي السورية، فكان الهجوم الشهير على قواعدهم في دير الزور، وقد رد البنتاغون عليه بسحق القوة المهاجمة، ليتضح فيما بعد سقوط أكثر من 150 قتيلا، كشف الإعلام الأميركي أنهم مرتزقة روس يعملون في شركة فاغنر الأمنية الروسية.
كان هناك توقع، بأن ينتقم بوتين لضحايا بلاده وفقا لقواعد اللعبة، فكان اشتغاله على جبهتين، السماح بتكثيف الضغط العسكري التركي على عفرين، والقضاء على المعارضة السورية في محيط دمشق خصوصا في معقلها الرئيسي الغوطة، فعاد الأميركيون للتلويح بالتدخل، عبر المطالبة بتشكيل لجان للتحقيق بشبهات استخدام النظام السوري الغازات السامة وإحالة المرتكبين على المحكمة الجنائية الدولية، وقد فهم الروس، أن هذه المطالبة ليست سوى بناء ذريعة للتدخل العسكري، وتمكين الأميركيين من شن غارات على قوات النظام على غرار ضربة مطار الشعيرات.
السلوك العسكري الروسي حاليا، يوحي باقتراب التصادم الكبير. بعد الفيتو الروسي لمصلحة إيران في اليمن، الإسرائيليون يسربون صورة عبر الصحافة الأميركية لقاعدة إيرانية في القلمون السورية، والإعلام الغربي يتهم بوتين بالتغطية على “حرب الإبادة” في الغوطة.
فجأة يهدد بوتين الغرب بسلاح ذري جديد ليس له مدى محدد، ويقول” سنرد فورا على اي هجوم يستهدف نووي يستهدف حلفاءنا”، بالمقابل لم يرد الأميركيون على هذه التحذيرات علما أنهم المعنيون بها.
لكن بعد أسبوع، بينما كانت طائرة انطونوف – 26، تهبط بشكل سليم في مطار حميميم، وقبل أن تصل إلى المدرج وهي على علو 500 متر تسقط حطاما، ليلقى 39 عسكريا روسيا حتفهم بينهم الجنرال فلاديمير يرمييف وهو من القادة المرموقين في الجيش الروسي.
كما حدث في تدمير الطائرات الروسية ال 12 في كانون الثاني الماضي، تحول تحطم الانطونوف إلى لغز جديد في الحرب السورية، لكن الاستراتيجيين الغربيين، يرون في هذا اللغز، رسالة من البنتاغون إلى بوتين، مذكرين بأن قوات البحرية الأميركية تستخدم تقنية النبضة الكهرومغناطيسية، والسؤال هو ما علاقة هذه التقنية بسلاح بوتين الجديد.
ما يحدث في الغوطة حاليا، متابعة لتصارع الاستراتيجيات، والصراع بالألغاز سيستمر، والنتائج ستبقى محجوبة، لأن صياغة الردود، سيتم تغليفها حتى تلتبس على العقول، إلى أن يظهر نظام جديد لهذا العالم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق