مقالات

عن أي سيادة يتحدث النائب رعد؟
مناطق نت

قال رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة“ النائب محمد رعد“لن نناقش بشروط تمس بسيادة البلد. وشروط تجعل لبنان تابع لدولة خارجية بسياستها، لا نستطيع أن نتجاوب معها. ونحن مستعدون لتقديم تنازلات لكن ليس على حساب الكرامة والسيادة الوطينة أبدا”.

النهب في ظل هذه الطبقة الحاكمة، لم يقع فقط على المال العام، بل طاول المفاهيم والمصطلحات، لا بل إفساد المعاني كان شرطا ضروريا للنهب المستدام، فلا فساد ولا سرقات بدون خطاب يسندها ويموهها ويعيد إنتاجها على مدار 30 عاما، فهو جزء أساسي ولاعب فاعل في منظومة الخراب القابضة على البلد.

كل عمليات النهب حدثت باسم التنمية والإصلاح والتغيير وبناء المستقبل والديموقراطية والتطوير والحفاظ على التعايش الوطني والإنماء المتوازن، وذات مغزى أن يعجز القضاء حتى اليوم عن اقتياد فاسد واحد إلى السجن، لأن المسألة لا تقف عند حدود تطبيق القوانين وغياب أجهزة المراقبة والمساءلة والمحاسبة، هناك لغة أيضا تلاعبت بالمفردات والمفاهيم بالمغط والإرخاء والتطويل والتقصير والتوسيع والتضييق، وألبست الفساد لبوس الوطنية والشرعية.

قبل الحديث عن خشية رعد من المس “بسيادة البلد”، يجدر التوقف عند أسماء الكتل النيابية للطبقة الحاكمة التي تولت هدم الدولة فوق رؤوس الشعب وإفقاره وقريبا تجويعه، من “لبنان القوي” و”الجمهورية القوية” والتنمية والتحرير” و”الوفاء للمقاومة” و”المستقبل” و”اللقاء الديموقراطي”، إلى “لبنان أولا” و”المستقلون” وغيرها.

يعلم اللبنانيون أن هذه الأسماء مقطوعة عن واقعنا وعن خيالنا وحتى عن أحلامنا، ليس لدينا هذا الترف لنحلم بها، ولا يمكن الاستعاضة عنها بتكبير صحن التبولة، أو التداول بخبر لبناني اكتشف دواء للسرطان، أو غرس أحدهم أو إحداهن علمنا فوق قمة الألب أو هيملايا، كل هذه التفاهات لا تصنع أحلاما وطنية، إنما تجعلنا في غربة عن اللغة ومفرداتها، تمدنا بكلمات جوفاء لا روح فيها ومسلوبة من أي معنى، وموتها يقع لحظة نطقها.

لندع جانبا الفجوات الكبيرة التي أحدثتها الثورات الرقمية في جدران سيادات كل الدول بما فيها العظمى منها، ولنسأل:عن أي سيادة يتحدث رعد؟ وما هي الشروط التي تمسها؟ مع أن الشروط التي يحذّر منها هذا النائب هي وحدها قد توهمنا بأن هناك سيادة! وهنا المهزلة، أن غير الموجود يستحيل مسّه.

لن نستعيد الحكاية العفنة لسيادتنا لا في الماضي البعيد ولا القريب، لكن الآن، هل يستقيم حديث السيادة لرئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” بأن يمثّل حزب الله في الحكومة لأن “الأميركي ليس لديه مشكلة بهذا التمثيل” كما جاء في كلام رئيس المجلس السياسي للحزب السيد إبراهيم أمين السيد؟

وهل يستقيم هذا الحديث في بلد يستورد 90 % من احتياجاته الضرورية والكمالية من الخارج؟ وهل هناك سيادة في بلد ينفق على احتياجاته من الديون والمساعدات الخارجية يقع عبء تسديدها على مواطنين في دول أخرى؟ وأي سيادة نخاف عليها من أن تمسها شروط الغير والدولة عاجزة عن تسديد التزاماتها، أو نحن نبحث عن رئيس متسول للحكومة قادر على جمع صدقات دولية بعد نفاد المواد الغذائية والوقود والأدوية في المستودعات والمخازن اللبنانية؟

على ما يقول الاقتصاديون والخبراء، هناك حاجة لبنانية عاجلة من 3 إلى 7 مليارات دولار لتقف دولتنا أقله على رجل واحدة، هل يريد النائب رعد، أن نصدق بأن الدول “الصديقة” المملوءة شوارعها بالاحتجاجات ستمدنا بها لوجه الله ؟

ثورة 17 تشرين لم تنجح حتى الآن في استعادة الأموال المنهوبة، لكن نجحت في استعادة المعاني المنهوبة للكلمات، والناهبون للسيادة ومعناها هم من فرّطوا بها، باطمئنانهم إلى سياسات الاستدانة وإنفاقها هدرا وتحاصصا، ومثل حديث رعد كان جميلا، لكن قبل أن يسبق السيف العذل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق