قضايا ومتابعات

الانفاق والاعلام الانتخابيين.. خروقات بالجملة وثغرات كبيرة

زهير دبس

يبدو أن هناك بوناً شاسعاً بين موجبات قانون الانتخاب بفصليه «الانفاق المالي» و«الاعلام والاعلان الانتخابيين» وبين ما يجري على أرض الواقع وفي الاعلام فيما يخص هذين الفصلين، فالقانون في مكان وما يجري في مكان آخر. وإذا كان القانون قد سمّى وحدّد وسائل الاعلام وهي «كل وسيلة اعلامية رسمية أو خاصة مرئية أو مسموعة أو مطبوعة أو مقروءة أو إلكترونية مهما كانت تقنيتها» فإنه غفل عن تسمية وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت بحاجة إلى تحديد، لما لها من تأثير كبير في مجريات اللعبة الانتخابية، والانتخابات الأميركية خير دليل على ذلك، عندما هزم ترامب أخصامه بواسطة تغريداته التويترية، ومن خلالها هزم الاعلام الكلاسيكي القائم على طرائق ونُظُم محدّدة.
لقد حدَّد القانون في المادة ٦١ سقف الانفاق وجاء فيه: «يحدد سقف المبلغ الأقصى الذي يجوز لكل مرشّح إنفاقه أثناء فترة الحملة الانتخابية وفقاً لما يلي: قسم ثابت مقطوع قدره مئة وخمسون مليون ليرة لبنانية، يُضاف إليه قسم متحرك مرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى التي ينتخب فيها وقدره خمسة آلاف ليرة لبنانية عن كل ناخب من الناخبين المسجلين في قوائم الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى».
وإذا كان القانون قد حدّد هذه الأرقام وهذه المعايير للإنفاق الانتخابي فإن أجزاءً واسعة من هذا القانون ستبقى حبراً على ورق لأن الالتزام بها شكلي وما يحصل في الدوائر الانتخابية من فتح مكاتب إنتخابية وإنفاق للمال دون حسيب أو رقيب يُبشِّر أن خروقات كبيرة تحصل في مجريات العملية الانتخابية ستزداد وتيرتها في المقبل من الأيام، ستجعل مواد كثيرة من القانون في خبر كان.
أيضاً في الفصل السادس من قانون الانتخاب والذي تمّ عنونته «في الاعلام والاعلان الانتخابيين» وتضمن خمس عشرة مادة من المادة ٦٨ وحتى المادة ٨٣ نصّ البند رقم ٤ من المادة ٧٢ أنه «يترتب على الهيئة أن تؤمن التوازن في الظهور الاعلامي بين المتنافسين من لوائح ومرشحين بحيث تُلزم وسيلة الاعلام، لدى استضافتها لممثل لائحة أو لمرشّح أن تؤمن بالمقابل استضافة منافسيه بشروط مماثلة لجهة التوقيت والمدة ونوع البرنامج»
يقول جاد شحرور المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير إن جزءاً من عملهم كمؤسسة هو مراقبة وسائل الإعلام عموماً، والانتهاكات التي يمكن أن يتعرّض لها الجسم الاعلامي خصوصاً، وأيضاً المدافعة عن هذا الجسم في حال تعرّض أحد ما إلى خصوصيته. في الموضوع الانتخابي وتحديداً الانفاق المالي أشار شحرور إلى أن هناك تبدُّلاً كبيراً طرأ على الاعلام بين الأمس واليوم، وهناك تغيُّرات كبيرة طاولت الاعلام منذ انتخابات الـ ٢٠٠٩. اليوم هناك إعلام جديد في مقابل الإعلام الكلاسيكي، والثغرة الأولى التي لم يوضّحها القانون هي عدم لحظه مواقع التواصل الاجتماعي أو ما بات يُعرف Social Media وهذا أساسي إذ من خلال تلك المواقع يتم الولوج إلى خرق القانون لجهة التلاعب بالمال والإنفاق الانتخابي، وهذا يؤدي إلى مظلومية تطاول بعض المرشحين وهي التفاوت الكبير بين قدرة مرشح وآخر على التمويل الانتخابي وبالتالي غياب المساواة بين المرشحين وغياب لمبدأ الشفافية والعدالة في العملية الانتخابية. يتابع شحرور أن هذا الخرق يُعتبر ثغرة كبيرة تنبئ أن الانتخابات ليست بخير. الثغرة الأخرى هي في قدرة وسائل الاعلام على الالتزام في تطبيق القانون الذي ينصّ صراحة على أن لا تكون أي وسيلة إعلامية طرفاً في العملية الانتخابية، في الوقت الذي تتبع معظم هذه الوسائل وخصوصاً التلفزيونات أحزاباً وقوى سياسية لديها مرشحون ولوائح ومنخرطة بقوة في الانتخابات.
إضافة لذلك يتابع شحرور: «هناك وسائل إعلام تبث ضمن فقراتها إعلانات ذات مضامين عقائدية وهذا مخالف للقانون أيضاً. بالإضافة لذلك تلك الوسائل تتلقّى تمويلاً واضحاً من جهات سياسية وحزبية وهي تتبع لها وهذا يحيلنا إلى قضية أوسع وهي أن الواقع الاعلامي بتركيبته ووظيفته وأدائه مخالف بجزء كبير منه للقانون. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فالجهة المشرفة على الانتخابات وهي وزارة الداخلية يرأسها وزير مرشّح للانتخابات وأيضاً وزارة الخارجية، فكيف سيوفّق الوزير المرشّح بين إدارته للعملية الانتخابية على مستوى الوزارة المعنية بذلك وبين متابعته لمعركته الانتخابية. يضيف شحرور «كان من الأجدى إنشاء هيئة مستقلة لإدارة الانتخابات ضماناً لشفافيتها ومصداقيتها.
عن القانون الانتخابي ومواءمته مع فهم الناس له يقول شحرور: «الناس لا تزال قاصرة عن فهم القانون الانتخابي، والمشرفون عليه أيضاً من رؤساء أقلام ولجان فرز وهناك معلومات تفيد بأن الهيئة القيِّمة على الانتخابات لم تتلقَ تدريبات حوله بعد، في حين أن المدة الفاصلة عن موعد الانتخابات لا تزيد عن شهر ونصف وهذا يزيد الأمور تعقيداً لناحية نزاهة العملية الانتخابية وسلامتها. يضيف: « مبدأ النسبية في قانون الإنتخاب كما طالبت به هيئات المجتمع المدني جاء ناقصاً لجهة اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة ولجهة الانتخاب من مكان السكن والبطاقة البيومترية. هذه النواقص أفقدت مبدأ النسبية من مضامينها وصبّت في النهاية لصالح القوى المستفيدة من القانون.
أعتبر أن الانتخابات ستكون شكلية يقول شحرور ويضيف: «هناك محظورات في البلد يُمنع التطرُّق إليها، وهناك ثوابت في نتائج الانتخابات ممنوع المساس بها إطلاقاً، والدليل على ذلك أن فيديو مسرّب كاد أن يطيح بالبلد فكيف بنتائج يمكن لها أن تُبدِّل الصورة، وعليه فإن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً وستكون وفق قاعدة «من – إلى»، والسلطة الحالية ستعيد إنتاج نفسها في الانتخابات المقبلة، فالتغيير بواسطة صندوقة الانتخاب لا زال بعيداً ولن يستطيع ذلك من خلال دورة إنتخابية واحدة أو بين ليلة وضحاها، في بلد يُصنّف ضمن خانة البلدان النامية. الموضوع يحتاج إلى تراكم سياسي وخلق تجربة جديدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق