رصد

البيدق الذي ترقّى إلى حصان طروادة .. لماذا رفض سلام توزير دياب في حكومته ؟
خالد صالح

يُعتبر مبدأ ” الترقية ” في لعبة الشطرنج من أهم المزايا التي يحرص عليها أي لاعب، فبمجرّد وصول ” البيدق الخفي ” إلى خانة الملك المنافس، يصبح بوسع صاحبه أن يرقّيه ويختار أيّ قطعة بدلًا عنه ..

هذا تمامًا ما حصل مع رئيس الحكومة المكلف حسان دياب، الرجل الذي لعب دوره بامتياز طوال ثماني سنوات ليحصل على الترقية الكبيرة، من ” بيدق ” إلى ” حصان ” طروادة لاختراق رئاسة مجلس الوزراء، ولم يهبط بالباراشوت كما بدا للكثيرين، فمشوار هذا الرجل بدأ في العام 2011، ليحطّ رحاله رئيسًا مكلّفًا على أبواب السراي الحكومي الكبير ..

مصادر رفيعة جدًّا روت لـ ” مناطق نت ” تفاصيل تدخل في خانة ” سري للغاية ” أنه عندما خرج النظام السوري من لبنان عام 2005 من الباب الضيق إثر جريمة اغتيال  الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبدأ الفتور يتسلل بينه وبين السلطة التنفيذية في لبنان، بدأ البحث فعليًا عن وسيلة للعودة ومن باب أوسع، ورغم الضغوط الكبيرة التي مارسها حلفاء النظام على رؤساء الحكومات المتعاقبة من فؤاد السنيورة إلى سعد الحريري مرورًا بنجيب ميقاتي وتمّام سلام، لوصل ما انقطع مع القيادة السورية، وحدها زيارة الرئيس سعد الحريري التي سُجلت من دون نتائج على الإطلاق وهي أتت من ضمن مسار تسوية الـ ” س – س ” الشهيرة، وأدّى فشل هذه الزيارة إلى نسف أولى حكومات اتفاق الدوحة بطريقة خبيثة جدًا في التوقيت والشكل، وبعدها لاشيء يُذكر ..

وحصل ما حصل في بداية العام 2011 وقضية ” القمصان السود ” التي سجّلت انقلابًا على نتائج انتخابات 2009، وتمّ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة من قبل فريق الثامن من آذار، ورغم أنها صُبغت بحكومة اللون الواحد إلا أنها لم تولد إلا بعد خمسة اشهر ونيّف على التكليف بعدما بدأت الثورة السورية تأخذ مسارًا مختلفًا من سلمية إلى دموية، وشهدت مفاجأة ضخمة في التركيبة إذ أن الثنائي الشيعي تخلّى عن مقعد وزاري من حصته لوزير سنّي ليصبح التوزيع ( سبعة سنة وخمسة شيعة )، وتم التعميم بأن هذه التسهيل الذي قدّمه الرئيس نبيه بري هو لتوزير فيصل كرامي ..

تقول المصادر : ” ابدّا لم تكن هذه الحقيقة، بل كانت التضحية في سبيل حسان دياب، الرجل الذي أوكلت إليه مهمة لعب ” البيدق الخفي “، وقد تم توجيه البوصلة نحو كرامي لتشكيل ساتر أمامه وإبعاد الشبهات عنه، وأعطيت له وزارة خدماتية غير حساسة ( وزارة التربية ) لتجنيبه الإعلام قدر الإمكان، وطلب إليه ممارسة أعلى درجات السطحية في التعاطي وإظهار درجة من ” السذاجة السياسية ” بطريقة أو بأخرى، على غرار ما نشره في كتابه، مبتسمًا، مصافحًا، متقدمًا، ملتفتًا، مستمعًا … هذه ليست طبيعته بل هو مسارٌ مدروس في لعبة استخباراتية دقيقة وشديدة التعقيد ” ..

تضيف : ” كان المطلوب من الرئيس ميقاتي أن يذهب إلى سوريا، فما قيمة أن يذهب كل وزراء الثامن من آذار ولا يذهب الرئيس، لكنه تدارك الأمر ولم يقع في المحظور، حيث شهدت علاقته بالثنائي الشيعي فتورًا كبيرًا لاسيما في قضية تمويل لبنان للمحكمة الدولية، والنأي بالنفس، وعودة العلاقة مع النظام السوري إلى سابق عهدها، وبعد اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن في 19\10\2012 كتب استقالته لكنه لم يقدّمها، لكنه وتحت الرفض القاطع والضغوط الكبيرة التي واجهها في طلبه التمديد للواء أشرف ريفي على رأس المديرية العام لقوى الأمن الداخلي قدّم استقالته الحكومة مساء 22\3\2013 ” ..

يقول المصدر : ” بدت اللحظة المرتقبة بالنسبة للنظام السوري سانحة ليتقدم ” البيدق الخفي ” حسان دياب خطوة إلى الأمام على رقعة الساحة اللبنانية، وتمّ البحث باسمه في الكواليس الضيقة، لاسيما بين حزب الله والنظام السوري، لكن استشعار ” أنتينات ” وليد جنبلاط أن أمرًا ما ” يُدبّر في ليل ” سارع للتواصل مع القيادة السعودية لتزكية تمّام سلام لمهمة الحكومة، خصوصًا أنها السنة الأخيرة من ولاية الرئيس ميشال سليمان، ولا بوادر في الأفق تلوح بامكانية انتخاب رئيس جديد، وبالتالي فإن الحكومة مجتمعة ستتولى إدارة البلاد، فأجرت القيادة السعودية إتصالاتها وأمّنت له غالبية نيابية في الإستشارات، الأمر الذي عرقل قوى الثامن من آذار عن تنفيذ استراتيجيتها وتعمد إلى تأجيل الخطة لوقت لاحق وتتماشى مع الواقع وإعادة الستارة على دياب، وتبنّي ترشيح سلام الذي نال أعلى معدل من الأصوات بواقع 124 من 128 ” ..

تضيف المصادر : ” الجميع يذكر أن حكومة سلام تأخرت أحد عشر شهرًا قبل ولادتها العسيرة، هل تساءل أحد عن السبب ؟ هل بحثوا في خفايا الأمور ؟ أمران إثنان كانا السبب، الأول هو إصرار الوزير جبران باسيل على وزارة الخارجية والثاني هو محاولة لإعادة حسان دياب إلى الحكومة، لكن ” عناد ” تمام بيك على حكومة من 24 وزيرًا، ضيّق هامش التوزير، ولم تُفلح كل المحاولات التي بذلتها قوى الثامن من آذار لرفع العدد إلى ثلاثين، فتعرّض التأليف إلى مدّ وجزر حتى ولادتها تحت ضيق الوقت مع اقتراب ولاية الرئيس ميشال سليمان من نهايتها في أيار 2014، فأبصرت الحكومة النور في 15\2\2014، لتتعرض اللعبة المخفية لعرقلة جديدة فتمّ تأجيلها ريثما تنضج الظروف ” ..  

وتكمل المصادر فصول الحكاية فتقول : ” تعرّض سلام للكثير من الضغوط لإعادة المياه إلى مجاريها مع النظام السوري، خصوصًا أن الأزمة لديه كانت في أعنف مراحلها، والخناق يشتدّ عليه من كل حدب وصوب، وتوالت زيارات وزارء الثنائي الشيعي إلى سوريا من دون أي غطاء رسمي من رئيس السلطة التنفيذية، فبقي لبنان ملتزمًا قرار الجامعة العربية، ومبدأ النأي بالنفس، والجميع يذكر المشادات الكلامية وبالصوت العالي بين الرئيس سلام والوزير باسيل على طاولة مجلس الوزراء ( بس أنا إحكي وزير متلك بيسكت )، حتى ظهرت التسوية الرئاسية في أيلول الـ 2016، والتي مهّدت الطريق للعماد ميشال عون نحو قصر بعبدا، فبدا وأن المهمة قد قطعت نصف شوطها، وبقيت العقدة المتمثلة بالنصف الآخر الرئيس سعد الحريري ” ..

وتُكمل : ” تعرّض الحريري للكثير من الإبتزاز للنيل من عزيمته والرضوخ لمطلب إعادة العلاقات مع سوريا، ولعب الوزير باسيل دوره بإتقان متمسكًا بقضية النازحين السوريين ونادى على منبر الجامعة العربية وبأكثر من مناسبة بهذا الأمر، إضافة إلى قضية المعابر الحدودية للنقل البري وما إلى ذلك، كلها أسباب ظاهرية أما العمق فكان لمزيد من الإحراج للحريري، ووضعه أمام اللبنانيين بصورة المعرقل لهذه العودة التي بسبب تأخرها تتزايد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية عليهم، إبتزوه في التعيينات وفي قانون الانتخاب وأثناء أزمته في السعودية لكسر إرادته والرضوخ لمطلب التواصل مع النظام السوري ” ..

وتضيف : ” وكي يكمل النقل بالزعرور واصل النظام السوري الضغط على الحريري بعد الإنتخابات وتكليفه تشكيل الحكومة الثانية للعهد، فكانت عقدة اللقاء التشاوري والتي تعرض فيها لأقسى الضغوط على قاعدة إحراجه لإخراجه، وتهيئة الظروف للشروع في تنفيذ الخطة، ورغم الامتعاض الذي ظهر على الحريري تعايش مع الواقع المستجد وأبصرت حكومته النور في أواخر كانون الثاني من العام الجاري، وبدا الوزير باسيل مدعومًا من حزب الله بممارسة تسلّط غير مسبوق على مجلس الوزارء، وتصدّى الحريري له بما يملك من مقومات إن لم نقل باللحم الحي، وتابع باسيل عرقلة عمل الحكومة، وأدلى بتصريحات خطيرة عن استعادة حقوق المارونية السياسية التي سلبتها الحريرية السياسية، إلى تسببه بإشكالات كادت تودي بالبلاد نحو منزلق خطير، وأفاض في خطابه بالجامعة العربية عن سوريا، كلها خطوات ممنهجة لتطويق الحريري ودفعه إلى خيار من إثنين، إما الرضوخ وإما الاستقالة ” ..

وتابعت المصادر : ” فاجأت ثورة 17 تشرين الأول الجميع، وسرّعت الأحداث بشكل دراماتيكي غير متوقّع، وفرضت مسارًا مختلفًا للتطورات أدّت إلى استقالة الحكومة، فبدت اللحظة السانحة لخروج ” البيدق الخفي ” للتقدم، لكن هذه المرة أعتمدت منهجية مختلفة مبنية على حصر الترشيح به، من خلال الرفض الكلّي لمطالب الحريري بتشكيل حكومة إختصاصيين مستقلين والقبول بحكومة تكنوسياسية أولًا، ورفض الأسماء التي يقترحها هو شخصيًا ( نواف سلام – سمير حمود )، وتهيئة الظروف للإلباسه تهمة حرق السماء واحدًا تلو الآخر، من الصفدي إلى طبارة إلى سمير الخطيب، وفي الخفاء كان التواصل مع حسان دياب قائمًا منذ الأسبوع الأول لتاريخ الإستقالة بعيدًا عن الإعلام وفي حلقة سرية للغاية وكتمان شديد، وتسليط الضوء على قاعدة باسيل المجنونة ( دخلنا معًا نخرج معًا )، حتى الرئيس بري في اللقاء الأخير مع الحريري قدّم له خارطة طريق تبدأ من إعادة ترتيب العلاقة مع جبران باسيل، الأمر الذي رفضه الحريري بسرعة، فأعلن أنه خارج دائرة المرشحين للتكليف بتشكيل الحكومة ” ..

وتواصل المصادر : ” بسحر ساحر قفز إسم حسان دياب إلى الواجهة وتبنته قوى الثامن من آذار ومن يدور في فلكها، وسط التأكيد على موعد الاستشارات لتضييق هامش الوقت على أي تدخلات محلية أو خارجية أو شعبية، وتمّت فصول الخطة كما هي، من دون أي مراعاة لأي اتفاقات مسبقة ( الميثاقية – الرجل الأقوى في طائفته – التسوية ) كلها باتت ثانوية أمام الحدث المنتظر، حسان دياب رئيسًا مكلّفًا لتشكيل الحكومة العتيدة ” ..

وختمت المصادر : ” لم يعد من داع للمشاركة السياسية، قبلوا بالاختصاصيين، قدّموا ويقدمون كل التسهيلات للرئيس المكلف، وربما قدموا له أيضًا التشكيلة الوزارية التي تليق بالمرحلة من ناحية جودة الأسماء والاختصاصات، ولم يعد هناك خوف على القرارات السياسية الكبرى كالقرارين 1559 و 1701 وموضوع ترسيم الحدود، والأهم من كل هذا، بات الطريق مفتوحًا لعودة سوريا إلى لبنان من الباب الواسع، ليكون حسان دياب البيدق الذي ترقّى فأصبح حصان طروادة اقتحم به رئاسة الحكومة اللبنانية التي عصت عليه منذ العام 2005 وحتى اليوم ” ..

وسط هذه المعطيات، لم يعد من مجال للشك، لماذا وقف حسان دياب في المجلس النيابي بعد انتهاء الاستشارات غير الملزمة وقال بكل ثقة : لن أعتذر وكررها مرتين ؟، لأنه أنجز المهمة الموكلة إليه، ضاربًا عرض الحائط بكل الرفض الذي طاول تكليفه من الشارع الثائر عمومًا ومن الشارع السني على إمتداده إلى رؤساء الحكومات السابقين إلى دار الفتوى إلى إتحاد العائلات البيروتية، فما الهم من ذلك طالما أنه بات ” دولة الرئيس ” وعلى الجميع التعاطي معه من هذا الباب شاءوا أم أبوا ..    

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق