قضايا ومتابعات

15 عامًا على غيابه .. رفيق الحريري عندما تضيق الشهادة بالشهيد !!
خالد صالح

ثمّة شهيدٌ غالبَ الزمن فصبغه باسمهِ، شهيدٌ كان أكبرَ بكثير من قدرةِ البعض على الإحاطة بهالته الكبرى، ثمّة شهيدٌ وإن غيّبته أيادي الخبثِ والجريمة فأفعاله كانت بحجمِ وطن، شهيدٌ انحنى أمامَ وطنه وقال : ” ما حدا أكبر من بلده ” .

ثمّة شهيدٌ يضيقُ به المكان، واقعيًا وافتراضيًا، شهيدٌ لا تتسع له الأمكنة، حضورُه وارفٌ لم يقدر عليه الغياب، فزاده الغياب حضورًا، تفوّق على كل الألقاب وتجاوز الأدوار، جاذبيته مثل كوكبٍ يدورُ في فلكٍ خاص به، فلا قدرة على تطويقه واخضاعه، ولا مجال لاستنزافه أو استغلاله، شهيدٌ أحلامُه بحجمِ وطن وتغييبه بحجم زلزال، كان فقط ينقصه لقب ” شهيد “ ..

اختاره لبنان في لحظة تلاشي في زمن التفتت، فتقدّم إليه غير آبه بالكلفة، فالمحنة كان لا بدّ أن تصل لفصلها الأخير، كمهمة مستحيلة ” قاتلة “، فصل أشبه بالمقبل نحو مغامرة شبيهة بالإنتحار.

كان رفيق الحريري من ذلك الرعيل الفريد في قراءَة التبدلات، يعرفُ متى يدخل وكيف يخرج، وفي الحالين كان يقطف نصرًا، كان من قماشة نادرة الـ ” بهاء ” كأصله ولقبه، كان ماردًا تكبرُ به مدينة ويشمخُ به وطن، كان لبنانيًا حتى التمس فيه لبنان، ليس الخروج من عنق الزجاجة فحسب، بل كسرها وكسر كلّ القيود والأطواق التي ألبسوها له حتى ولو كانت ذهبًا، كان من صنف الرجال الذين يثيرون فضول الأرض والسماء والماء والهواء .. رجل تتكئ عليه مسيرة وطن .

يوم ناداه لبنان ليستجير به ويقفل بابَ الجحيم، ويستعيدَ بيروت أم الشرائع، ويوقفَ شلّال الدم والرقاب الطائرة، ليشيَد الحدائق بدلًا من المقابر، ليشقّ الطرقات وينسفَ خطوط التماس والمعابر، ليوحّد الهوية فلا ذبح لحاملها، ليكرّم القامات والهامات بدلًا من اغتيالهم أو خطفهم بلا مصير، استجار به ليبني البشر والحجر، ويلوي عنق المدفع ومقبض البندقية ويحطّم أسنان المسدس، ليختمَ الحرب بالشمع الأحمر، ويرمّم معادلة السلم الأهلي الذي أنهكته شهوة الـ ” أنا ” ومن بعدي الطوفان .

كان رفيق الحريري من ‏الذين رحلوا فجأة، ونسوا مصابيح قلوبهم مضاءة في أروقة الذّاكرة، هذه المصابيح التي أضاءَت قلب بيروت من بعد ظلمة، ويعيد شعاع العدل لمساحة الوطن، كان عليه أن يضعَ حدًا لانهيار الأخلاق والفضائل، ويقف حاجزًا أمام انتحار هوية لبنان وعروبته وقيامته النهائية، وأن يحملَ الرفش والمعول ليبدأ مشروع اعماره، كان عليه أن يكنسَ الركام ويلجم الأوهام ويعيد إطلاق الأحلام، بحسّ المواطن قبل المسؤول، رغم المصاعب ومعرفته أن الطريقَ مزروعٌ بالألغام .

من حارات صيدا ورائحة البساتين وعرق الصيادين، إلى السعودية تلفحُه خيوط شمسها وحرارة رمالها، جسّد معاني الإلتزام والدقة والإخلاص في العمل فاستحق أن يتحوّل إلى قصّة كفاح ونجاح، فأحبّ السعودية وأحبته، أعطاها وأعطته، فظلّ يحملُ لها في قلبه الوفاء والإمتنان حتى الرمق الأخير عندما اختلط تراب بيروت الغالي بدمائه الزكية .

أدرك رفيق الحريري أن لبنان الذي قاسى مؤامرات الإقتتال السلبية، يحتاج إلى مؤامرة ” سلام ” إيجابية، نسجَ التقاطعات والعلاقات والصداقات وخلق مساحة منفصلة عن الجميع في ” المنتصف ” لكنها تتسعُ للكل، مارس تدوير الزوايا لكسر الحدّة وحلحلة العقد، كانت عيناه نحو الوطن لا نحو الموقع، وقلبه ينبض بحبّه ولا بشهوات السلطة، لم يترك دربًا شاقًا إلا وسلكه محاولَا تعبيده لإنهاء الاقتتال الداخلي، مدّ ” شعرة معاوية ” مع كل الأطراف، داخليًا وعربيًا، فأرخاها حين الشدة، وشدّها عند الحاجة، ولم يبخل بقطرة عرق وهو يحيك ” العقد الاجتماعي ” الأفضل على مرّ قرن من الزمن عمر لبنان، فكان لولب الحوار بين الأفرقاء اللبنانيين، حتى ولادة اتفاق ” الطائف ” .

عندما وطأت قدماه السياسة اللبنانية أواخر العام 1992 بات محورها و ” حجر رحاها “، تدورُ في فلكه، ولحظة تولّيه رئاسة الوزراء ظهرَ أكبرَ منها، فهامت به وتماهت معه، وكرّس نفسه زعيمًا في حقبة من تاريخ لبنان، لم تكن تسمح بولادة الأقطاب والزعماء، أوجد لذاته مكانًا فريدًا له، لا هو بالموالاة والتبعية العمياء ولا هو في المعارضة الفارغة، مكان باسم ” رفيق الحريري ” .. حتى أضحى ” مالىء الدنيا وشاغل الناس ” .

لم تكن رحلته في ” غابة الذئاب ” يسيرة، كانت مشكلته الأساسية ” حضوره “، إن حضر تسلطت الأضواء عليه، وإن غاب راحت تسأل عليه وتفتشُ عنه، تضجّ السراي عندما يدخلها فتراها لا تكلّ ولا تمل، وإن خرج منها تراها كمدينة أشباح، تنتظر مخلّصها من وحدتها، عن ذلك الرجل العابر للطوائف بشخصه وأرصدته في كل المجالات وما يمثله من إنماء وتوازن وأمان لأبناء الوطن، كان هادئًا لدرجة ” الاستفزاز ” لكل خصومه، يتلقى اللكمات بثبات، ويردّها في الأطر الدستورية، يكسب بشرف ويخسر بشرف، الغاية القصوى عنده، ضبط خسائر البلد .

كان رفيق الحريري وطنًا صغيرًا في الوطن الكبير، وجدارَ أمان يتكىء عليه شعب، والملاذ الأخير لأي عقدة يصعب حلّها، سواء كان في داخل السلطة أم خارجها، كان رجلًا غير عادي بأوزان القضايا الكبرى، وكان عناده عظيمًا في بناء لبنان الدولة، لأنه كان يستمع لضمائر الناس، وصوته يتسلل إلى ضمائرهم، وفي بعض الأحيان كان لصمته دويًّا يصم الآذان، ولهذا قتلوه .

اغتالوه بطنين من المتفجرات، فجعلوا منه شهيدًا، وهذا كان آخر ألقابه الكثيرة، ما كان يحتاج إلى الشهادة كي يحفرَ اسمه في سجلات التاريخ، فهو وصل إلى هذا منذ بصمته الأولى في الميدان اللبناني، وها هو الآن يحتضن بيروت التي أحبّها حتى الشهادة والحرية، وهو الذي دائمًا ما كان يقول : ” إن الحر هو الذي لا يبيع عقله ولا فكره ولا موقعه ولا وطنه للآخرين “.. ينام رفيق الحريري في قلب العاصمة، ولبنان منذ خمسة عشرة سنة يبحث عن جبل يستند عليه .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق