مقالات

فيروس صيني أم كورونا..وخفايا السجال الأميركي الصيني؟ (1)
حسين حمية

سمّى  الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالأمس، فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) بالفيروس الصيني، التسمية جاءت في وقت نجحت الجهود الصينية في إطالة المسافة ما بينها وبين هذا المرض، لذا سارعت بكين للاعتراض على الكلام الأميركي، وحذّرت واشنطن من رد مضاد، كان قد ألمح إليه متحدث باسم الخارجية الصينية، وفيه اتهم الجيش الأميركي بجلب الفيروس إلى ووهان مضيفا أن فيروس كورونا تم تصنيعه في أميركا سنة 2015.

الانزعاج الصيني ليس على خلفية أخلاقية ولا يتوقف عند الحرص على سمعة الصين كما تزعم القيادة الصينية، وكذلك التسمية الأميركية لا تهدف إلى تنوير البشرية بالحقائق بالتلميح إلى مصدر الوباء، فما يجري بين الجبارين الاقتصاديين حيال كورونا المستجد، هو استخدام وقائع وأدلة عن هذا الفيروس لتنشيط جبهات جديدة في الحروب الاقتصادية والتنازع على المصالح الكبرى.

مع أن الانشغال الكوني حاليا هو منع انتشار الوباء وتقليصه، ولا وقت كاف لتبادل الاتهامات لتحمل مسؤولية كورونا، مع ذلك، يؤشر السجال الأميركي الصيني المحدود، إلى أن هذا الملف لن يبقى مغلقا، وسيتم استثماره مستقبلا، وسيعالج إلى جانب القضايا المتعددة الناجمة عن تداعيات كورونا، قضية على قدر كبير من الأهمية،وهي تخفيف قبضة الصين على الإمدادات العالمية للدواء.

بعد ظهور كورونا في ووهان وانتشاره في المقاطعة وفتكه بالآلاف من أهاليها إصابة وموتا، كان هناك الكثير من المقالات والآراء التي حمّلت القيادة الصينية مسؤولية انتشار الوباء، بحجبها المعلومات وعدم استجابتها في الوقت المناسب باتخاذ الإجراءات الوقائية، وكان الرد الصيني ضعيفا، مشككا بهذه الاتهامات وزاعما أن وراءها دوافع سياسية المراد منها إلحاق الأذى بالاقتصاد الصيني.

لكن سجل الصين الطويل في قمع المعلومة وإخفائها، إضافة إلى الطريقة التي انكشف بها كورونا المستجد على أراضيها، لا يسمح للقيادة الصينية بمغادرة قفص الاتهام، كان هناك رهان صيني على التكتم على كورونا المستجد لمدة طويلة، فهي قد صمّت آذانها عن تحذيرات داخلية بوجود فيروس خطير وفتاك، لا بل، لجأت إلى اعتقال مكتشف هذا الفيروس الطبيب ين ليانغ ومعاقبته، وكانت مصادفة غريبة أن يتوفى هذا الطبيب بعد فترة وجيزة بالفيروس نفسه، لتغطي الصين تقاعسها بتحميل مسؤولية انتشار الوباء للإدارة المحلية في المقاطعة المنكوبة.

في ظل نظام سياسي وأمني شديد يقبض بقوة على المجتمع، كان يمكن للقيادة الصينية أن تطيل أمد تكتمها على كورونا المستجد، فهي تسترت عليه لأكثر من شهر نصف، حيث كان أول ظهور له في أراضيها في تشرين الثاني من العام 2019، لكن، ما أسقط بيدها واجبرها على التخلي عن هذا الخيار، هو انكشاف هذا الفيروس في أسواق للحيوانات البرية بكوريا الجنوبية وتايلاند يتردد عليها زبائن وتجار صيتيون.

ليست هذه المرة الأولى التي تفعلها الصين، فهي تكتمت في العام 2002 على متلازمة الجهاز التنفسي الحاد المسماة ب”سارس” لأكثر من شهر، ولم تعلن عن هذا الفيروس الخطير أيضا إلا بعد انتشاره في 26 دولة وبعد أن زهق أرواح أكثر من 8 آلاف شخص. ولو أن القيادة الصينية استجابت لتحذير طبيبها ليانغ، كان العالم بأسره اليوم، بغنى عن كل هذه التدابير المؤلمة والمزعجة التي تتخذها حكوماته.

أكثر من هذا، لم يستجب الديكتاتور الصيني تشي لتوصية علماء بلاده إلا بعد اسبوعين، وبعد فوات الأوان، وعندما شق الوباء طريقه إلى الذروة، عندها أعلنت الحكومة الصينية عن تدابير الأحتواء وفرض الإغلاق على الملايين من الصينيين، لكن هذا الوقت المهدور كفيلا بتمكين الفيروس من التجوال في أنحاء العالم وانتشاره وإصابة الآلاف من البشر، والنتيجة تبديد مدة شهرين بأقل تقدير من حياة الناس في كل الكوكب لاحتواء هذا الفيروس.

دول عديدة كان لديها ثقة بأن الصين ستحتوي الفيروس، منها روسيا والاتحاد الأوروبي وإيران وغيرها، كان هناك مثل هذا الرهان وجرى التعامل معه وفقا له، لكن وحدها الدول الخبيرة بالسلوك الصيني والمشككة بما تعلنه القيادة الصينية، تصرفت وفقا لشكوكها، فمع أن تايوان وفيتنام يستقبلان أعدادا غفيرة من الصينيين، استطاعا أن يحدّا من انتشار كورونا على اراضيهما.

تايوان حفظت درس سارس، فلم تنتظر ما تتخذه الصين وبادرت إلى إجراءات وقائية منها تفتيش الرحلات الجوية، بينما فيتنام لم تضيع كثيرا من الوقت فأسرعت إلى إيقاف الرحلات الجوية مع الصين، وهذا ما مكّن الدولتين من احتواء الوباء لجهة تحديد مواقع العدوى وأعداد المصابين…

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق