مقالات

الفحص، الفحص…وإلا تسونامي المصابين على الأبواب!
حسين حمية

لو قارنا أرقام زيادة عدد الإصابات بكورنا في لبنان بتلك التي تسجل في إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا، نجد أن نسبة تزايد الإصابة بهذا الفيروس عندنا ليست مقلقة بل هي مبعث اطمئنان، وفيها من الإغراء ما يستدرجنا  لتبني توقعات شديدة التفاؤل تضعنا في مصاف قلة من الدول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وفيتنام  والهند، التي استطاعت احتواء المرض أو خنقه وحصره بأضيق حدود.

مع ذلك، لم يجرؤ وزير الصحة حمد حسن ولا الحكومة من وراءه تبني هذه التوقعات، ولم يكن عزوفهم عن هذا الأمر تواضعا أو انتظارا للحظة ليست بعيدة لإلقاء خطاب النصر ، إنما لحسابات أخرى لا تخلو من سوداوية، كان آخر تلميح لها، ما ورد في المؤتمر الصحافي لوزير الصحة أمس عندما أكد جهوزية وزارته للمرحلة الرابعة آملا أن لا يقع لبنان بها، والمقصود انتشار الوباء والضغط على المستشفيات للمعالجة شأن ما يحدث في أوروبا وإيران وأميركا.

لا يحتاج القول أن التعبئة العامة التي اعلنتها السلطات اللبنانية ليست كافية لإنقاذ لبنان من كارثة كورونا، فهذه التعبئة جاءت تبعا لقدرة الدولة وليس تبعا لحجم الخطر، فنحن في دولة شبه مفلسة، ومشكوك بقدرتها في السيطرة على المعابر والمنافذ، وإمكاناتها محدودة وهي عاجزة عن توفير تقديمات للشعب لمساعدتهم في تجاوز هذه المحنة، ولم يحدث أن اختبرت بمثل هذه الكارثة منذ نشوئها، ولم تراكم خبرات من مثل هذه الأزمات، أضف أن الحكومة نفسها قرنت نجاح التعبئة بالتزام “المجتمع”، مع أنها تدرك جيدا، أن قسما وازنا لن يحترم القيود والمحظورات التي وضعتها لأسباب معيشية ملحة خصوصا تأمين حاجاته اليومية والضرورية للبقاء.

واضح من الايام التي تلت إعلان التعبئة العامة، أن نسبة كبيرة من اللبنانيين متفلتة من الالتزام بها، وهي بأقل تقدير تفوق ال 30 %، وهذا الرقم وحده كاف لجر البلد إلى المرحلة الرابعة وانتشار الوباء ووضع مستشفيات معالجة كورونا في مواجهة مع تسونامي المصابين، وعندها ستكتفي الحكومة بلوم المجتمع وإطلاق الاستغاثات للصين والدول القادرة على المساعدة، وتعزية اللبنانيين بما حدث للشعوب الأخرى.

لكن هل فشل التعبئة العامة هو وحده ما يستدعي الخشية؟ الإجابة: طبعا لا..هناك أمور أخرى هي مدعاة للقلق، بالأمس منظمة الصحة الدولية تحدثت عن انفجار إصابات في بلدان عربية هي سوريا واليمن وليبيا، كما شككت المنظمة الدولية نفسها بأرقام الإصابات التي تصدر عن دول شرق أوسطية، وهذه الشكوك في مكانها، ولبنان يتأثر بها بما يصّعب عليه المواجهة مع كورونا.

لغاية الآن في لبنان عدد الإصابات هو 163، وهو رقم لا يثير الذعر ولا الهلع، بل هو دليل التعافي الصحي لبلدنا قياسا على الآلاف المؤلفة من المصابين في الدول الأخرى، لكن هذا الرقم ليس الحقيقة، ويجب الحذر من اتخاذه وسادة للنوم عليها في ليل كورونا الطويل، فالقصة ليست عدد الإصابات كما نقرأها في تقارير مستشفى رفيق الحريري الحكومي يوميا، بل كما قال مدير منظمة الصحة الدولية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس “الفحص، ثم الفحص ثم الفحص”.

إذن مربط الفرس في تشخيص صحتنا الوطنية هو الفحص وليس عدد الإصابات، فالأرقام الصادرة عن المستشفى الحكومي هي رأس جبل الجليد، ووحده الفحص يأخذنا إلى أعماقه، وهناك كل الحقيقة. لقد كشفت قضية مصاب بلدة ببنين، ثقافتنا من الفحص، الذي نتعامل معه على أن آخر الدواء، كأنه الكي، وكشفت أيضا عجز الدولة ومحدودية إمكاناتها في فرضه أو تعميمه.

لنقل صراحة لا نعرف عدد المصابين في لبنان، وما لم يتم استدراك هذه المسألة، نحن نسير في منطقة عمياء. والفحص يخيف ويطمئن بالوقت نفسه، وهو من مسؤولية الحكومة، وإلا سنستيقظ على أننا نفرغ البحر بملعقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق