قضايا ومتابعات

لماذا اختارت خريش كتابا مسيئا للنبي؟
خالد صالح

أثارت تغريدة لنائبة رئيس التيار الوطني الحر مي خريش موجة غضب عامة في الشارع اللبناني اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، وتهافتت الردود عليها من كل حدب وصوب، معتبرين أن خريش تعرضت بدعوتها لمشاركتها قراءة كتاب “آخر أيام محمد” للكاتبة التونسية “هالة وردي” بالاساءة لشخص النبي محمد (صلعم) ورسالته والدين الاسلامي بشكل عام.

وقالت خريش في تغريدتها: “بعيدًا عن السياسة والكورونا سأتشارك معكم كل يوم كتاب وأتمنى أن تشاركوني كتابكم، خلينا نحوّل الحجر المنزلي إلى قيمة مضافة لبعضنا البعض ” ووضعت صورة لغلاف الكتاب، وخلال دقائق سرت الردود عليها سريان النار في الهشيم، وتعرضت لهجوم عنيف لهذه الدعوة، واختيارها لهذا الكتاب تحديدًا .

ليست المرة الأولى التي تحاول فيها خريش اظهار شوفانيتها الفاقعة مستخدمة باب الاساءة للدين الاسلامي ولنبيه الكريم مدخلًا لـ “بروباغندا” إعلامية، لغاية في نفس يعقوب، فلا تزال عبارتها الشهيرة خلال انتفاضة 17 تشرين الأول الماضي مثار جدل واسع، “ليش بدك تقطع الطريق على المسيحيين روح اقطع الطريق على المسلمين”، بالاضافة إلى أن التيار الذي تنتمي إليه هاجم منذ أيام رئيس بلدية بيروت متهمًا إياه بأنه لا يريد التبرع للصليب الأحمر اللبناني، بحجة “شعار الصليب”.

لم تأت دعوة خريش من فراغ، إنما جاءت من جملة من الأفكار تحتل خلفيتها الذهنية وعقلها الباطني، وهي لا تتكلم باسمها وحسب بل من خلال انغماسها في نظرة تسود أروقة التيار الذي تنحدر منه بأن المسلمين في هذا الوطن هم دخلاء وعليهم الرحيل وتركه لأهله الأصليين، وسبقها إلى ذلك رئيسها الذي طالب باستعادة حقوق المسيحيين من المسلمين، إضافة إلى تصريحات النائب ماريو عون والاعلامي جوزف أبو فاضل،

إذاً ليست دعوة لقراءة كتاب، فأن تختار خريش هذه المادة في هذا الوقت بالذات، إنما أرادت من خلالها التصويب على شخصية النبي محمّد (صلعم) أولا في محاولة منها لتقويض الدين الذي أتى به، ومن ثم الادعاء بأن الدين الاسلامي لا مكان له هنا، بل يجب أن يكون فقط حيث بدأ، وأن ما ينادي به الاسلام من العدل والمساواة والحياة السوية ما هي إلا هرطقات، لأن مؤلفة الكتاب حاولت بأكثر من مكان فيه القول بأن ما شهدته الأيام الأخيرة من حياة الرسول، يؤكد أن الإسلام انتهى مع وفاة النبي محمد (صلعم).

حين يسيء شخص إلى شخص، فلأن هناك أسبابا دفعت المسيء إلى فعلته، أما المسيئون إلى النبي محمد (صلعم) تحركهم دوافع تنبئ إلى سلوكيات مرضية ونوايا انتقامية بلا مبررات، وكل الإهانات الصادرة من هؤلاء تدخلهم في دائرة الإجرام وتعدي حدود الحرية والتصرف القصدي للمس بحرمات الآخرين..

الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تكمن وراءها عدة أسباب نذكر منها:

– قصور المعرفة أو انعدامها بشخص الرسول وبأتباعه الذين تربطهم به علاقة اتّباع وإجلال واحترام وامتثال، هؤلاء الذين يعملون على الآتيان بسننه وسلوكاته مؤمنين إيمانا جازمًا بأقواله وأفعاله وتقريراته لأن ذلك جزء من مستلزمات إيمانهم ..

– الحسد فكل ذي نعمة محسود، ولأن الإسلام متجدد على الدوام، بدأت بعض الجهات المتطرفة مسيحيًا بالدعوة لوضع حد لانتشاره الذي بدأ يقلقهم لأنهم يستخدمون الدين شمّاعة لأفكارهم العنصرية، ويعتبرون الاسلام العقبة المستعصية أمام أطماعهم ..

إن الذين ينزعون إلى الإساءة إلى النبي محمد (صلعم) أناس تعمق في قلوبهم الحقد والحسد فصاروا يقومون بما قاموا ويستمرون في ذلك انسياقا لما بنفوسهم، ولخوفهم وحقدهم من انتشار الإسلام في أكثر بقاع العالم، الذي حرك أقلامًا وأصواتًا تحذر منه وتحاول تشويهه بشتى الصور والإبداعات إساءة إلى حقيقته ونقائه الفريد عقائديا وسلوكياً..

إن الناظر إلى أحداث الإساءة إلى الإسلام، ومنها الإساءة إلى الرسول الكريم، يرى أنها أحداث ليست معزولة عن بعضها، بل هي متصلة ضمن خطة مرسومة وهدف محدد، ويتنادى لها شذاذ الآفاق عند البعض، ويرى أنها أوركسترا لها مايسترو واحد، وسلسلة متصلة الحلقات تتعلق بمفاهيم صراع الحضارات الذي اشتعل أواره مع صعود اليمين الأميركي المتصهين الذي يسير على طريقة كلما هدأت عاصفة تجددت أو هبت أخرى..

لقد نشأت نزعة في أوساط الغربيين منذ النهضة الأوروبية وتتمثل في تدنيس كل مقدس اعتبارا من أن مصدر التخلف يكمن في الدين المحارب لكل ما له علاقة بالعلم والتطور الفكري، فالدين بهذا المعنى ليس سوى أفيون للشعوب كما جاء على لسان كارل ماركس.

غير أن التعميم في هذا المجال غير جائز خاصة وأن الإسلام يعتز بالعلم والعلماء حيث رفع درجة هؤلاء فوق غيرهم “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وقد حث الإسلام على طلب العلم من المهد إلى اللحد واعتبر الاشتغال بالعلم من أجل العبادات فالإسلام الذي دعا إلى المساواة والعدل والتحرير وغيرها من المبادئ السامية ليس ولن يكون أفيونا للشعوب، فالغرب مهووس بالتجريب، فقد جرب كل شي، الشذوذ الجنسي، الاستنساخ، التهجين، وصولاً إلى الحرب البيولوجية التي نشهدها اليوم، كما جرب في الأدب والتشكيل وحاول تجاوز كل الضوابط، ولم يفكر في مدى إيجاب أو سلب ما يقوم به، الأمر الذي أدى إلى أمور كثيرة ضد كرامة الإنسان وضد صحته النفسية والبدنية، الغرب بهذا الشكل سيجرب النيل من سير الأنبياء والمرسلين غير آبه بوخامة سلوكه غير الحضاري الذي يسيء إلى الآخرين..

لن تكون المرة الأخيرة التي تسعى فيها خريش وفريقها السياسي للمس بالدين الاسلامي، ليس من الزاوية العقائدية بل خدمة لمشروع سياسي قائم على العنصرية وتصنيف الناس درجات، وهي ما برحت في كل تغريداتها أو إطلالاتها المتلفزة من الغمز من هذه الأفكار، التي باتت تحتاج إلى مواجهة من نوع آخر، لأنها إن استمرت على هذه الشاكلة فسلام على ” العيش المشترك “..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق