مقالات

لبنان في فم كورونا..وهذا ما يفعله المسؤولون!
حسين حمية

من الآخر، نحن لسنا في دولة قادرة على التصدي لما هو أقل بكثير من وباء كورونا، سبق وجرى امتحانها في أكثر من مشكلة، آخرها النفايات وطوفان الشتاء والبنية التحتية وتدني سعر الليرة والفساد، وغيرها، هناك نهج مزمن ومدمر في التعاطي مع هذه المشاكل والأزمات، ما زال هو نفسه المعتمد حيال المرض الفتّاك.

لماذا لسنا دولة قادرة؟ الجواب شديد البساطة، الدول تقوى وتشتد بالتراكم، بينما نحن لأكثر من 30 عاما، لم يكن محور نشاطنا هو تقوية الدولة وتمكينها ومدها بأسباب القدرة، إنما كنّا نفعل العكس، هو إضعافها وبناء مؤسسات رديفة على حسابها وأخرى موازية لها تمتص قدراتها وتسلبها سلطتها وصلاحياتها، لقد تم استنزاف طاقات البلاد بقضيتين لا ثالث لهما، هما العدو الإسرائيلي (8 آذار) ومسألة السيادة (14 آذار)، وتم استخدام القضيتين المذكورتين لتعظيم من هم خارج الدولة على حسابها، فصارت أحزاب وزعماء وشخصيات أكبر منها واوثق، وهكذا ومنذ البداية دخلنا بنقاط ضعف كثيرة مع حربنا مع كورونا.

والآن، أي مقارنة بين ما تبذله حكومات أخرى للسيطرة على الوباء وبين ما تقوم به الحكومة اللبنانية، تتولد شكوك حقيقية بإمكانية الأنتصار على الوباء بأدنى الخسائر، وإذا ثبت خطأ هذا الاعتقاد، فذلك بمعجزة وبلطف إلهي، وليست بجهود الحكومة.

سيقول قائل، لسنا وحدنا في عدم اغتنام الشهرين الذهبيين (كانون الثاني وشباط) لمواجهة كورونا باكرا، وقد باغتنا الوباء مثل غيرنا، مع أن هذا الكلام جزئيا صحيح، لكن هناك دول مثل فيتنام وكوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ تصرفت خلاف ذلك، ولم تفرّط بالوقت إطلاقا ونجحت في إبطاء تفشي الوباء، اضف، أن أوروبا وأميركا لديهما مبررات وأعذار لتجنب الإقفال وهناك ما يغريهما بإبقاء بلدانهما مفتوحة، فتعطيل النشاط الاقتصادي فيهما يجر خسائر ضخمة عليهما، أضف أن بإمكانهما استدراك خطأ حساباتهما بما يملكان من قدرات تكنولوجية وعلمية وطبية واقتصادية مع بعض الخسائر، أما نحن، فكان يجب أن ننظر إلى الأسابيع الذهبية التي فصلت 31 كانون الأول وقت انتشار الوباء في ووهان بالصين إلى 11 آذار وقت إعلان منظمة الصحة الدولية كورونا جائحة عالمية، هذه المسافة الزمنية هي فرصة ضائعة، وهناك من هو مسؤول عن تعطيلها، لقد كانت هي سلاحنا الأمضى في هذه الحرب، لكن هذا لم يحدث.

إثارة هذه المسألة ليست للعتاب، فالمسألة لا تتوقف عند فات الأوان، إنما للقول، هي أن تلك المرحلة العمياء، هي التأريخ الفعلي لدخول كورونا إلى لبنان، ولا يكفي معدل فحص 200 شخص في اليوم لكشف جميع المصابين، وإن استقرار عمليات الفحص على هذا الرقم، يذكرنا، بسياسة تثبيت سعر صرف الدولار، فمعدل الفحص المعمول به يوميا، هو تثبيت لمعدل الإصابات التي تستطيع المستشفيات استقبالها، كي لا تشهد طوفانا من المصابين كما يحدث في بعض البلدان، وعليه، ما يحدث هو تضليل، ولم يكن إبطاء لكورونا، إنما إبطاء للفحص، يمكن من خلاله السكوت عن ضعف التحضيرات لأماكن استشفاء جديدة نحتاج إليها عند تسريع الفحص أو انفجار الإصابات وخروجها عن السيطرة.

لو فرضنا أن كل 400 فحص في لبنان ينتج حوالى 7 إصابات، ففحص 5 ملايين قد يسفر عن حوالى 87 ألف إصابة، علما أن في لبنان حسب الإحصاء المعتمد لدى منظمة الصحة الدولية هو 7 ملايين نسمة، وكذلك الفحص اليومي هو أقل من النصف في هذه الفرضية، لذا مربط الفرس في جهود الحكومة هو في تحضيراتها لمثل هذا الرقم، بينما المتداول عن القدرة الاستيعابية لمستشفياتنا هو دون ال 5 آلاف.

هذا الاحتمال لو كان الأسوأ بنظر البعض، وهو وارد، لكنه درس يجب تعلمه، وهو أن كل الدول التي خسرت معركة كورونا، هي تلك التي استبعدت الاحتمال الأسوأ، وما حدث في إيطاليا وإسبانيا وأميركا وبريطانيا، ليس بالضرورة أن يتحول إلى عذر للسطات عندنا، مع أن تلك الدول في هذه المرحلة تلاحق المصابين في عقر دارهم ولا تنتظرهم فقط على أبواب المستشفيات والمختبرات،  وتستخدم إجراءات استخبارية وتكنولوجية للتقصي والبحث عنهم، لذا لن يصح القول بعد أن تقع الواقعة “مثلنا مثل غيرنا”، المفترض أن يكون هناك شفافية كاملة حيال هذا الموضوع، لأن النوم عليه أقله يرفع من حس المسؤولية عند المسؤولين ويصرفهم عن المناكفات اليومية وشجارات التحاصص التي ضجر منها اللبنانيون وتسببت بكثير من الأضرار لبلدنا، وهي اليوم ستكون أشد إيلاما على الناس في أرواحهم وصحتهم وأرزاقهم.

إلى هذا، صارت ثغرات التعبئة العامة لمواجهة كورونا كلها برسم الحكومة، لجهة عدم الالتزام بها وهي تدرك جيدا اسباب هذه الخروقات الخطيرة، ولا يجوز معالجة هذه المسألة باصطناع بطولات لا فائدة منها، من التبرعات السخية لزعماء سياسيين أو لجهة إعادة المغتربين أو إعلان الأحزاب تعبئتها، من ذون ذكر ما تملك من أجهزة مساعدة على التنفس أو ألبسة الحماية للجسم الطبي أو كمية الأدوية للمختبرات أو العلاجات الموجودة لديها أو عدد غرف العناية المركزة، وغير ذلك، ليس سوى استعراض إعلامي ليس وقته.

وقبل أن نتحدث عما بعد كورونا، السؤال ماذا إن طالت فترة الإغلاق في العالم، وهو سؤال يتجه مباشرة إلى الأمن الغذائي، ومعظم دول العالم بدأت تتحضر لهذا الاستحقاق الذي لا يقل وطأة عن كورونا، هناك دول معروفة بامتلاكها مخزونا عاليا من الأغذية بدأت بوضع قيود على التصدير مثل فيتنام وكازخستان، وهذا ما سبّب ذعرا عند المهتمين بالأمن الغذائي في كل العالم. وفي لبنان نسأل، ماذا عن البدائل عندنا، خصوصا أن معظم سلتنا الغذائية مستورد من الخارج.

أما ما بعد كورونا، السؤال اشد صعوبة وحراجة، فلبنان يقوم اقتصاده على 3 ركائز، هي الآن في مهب الريح، وهي الاستثمارات والمساعدات الخارجية، ونحويلات المغتربين والسياحة، لكن ماذا بقى من هذه الأمور؟ الخارج مشغول بنفسه، والفقر والبطالة التي سوف تصيب بلاد الاغتراب ستصيب أيضا مغتربينا أما السياحة باتت خارج اللعبة الاقتصادية، ليس عندنا إنما في العالم كله.

لا يكفي إدارة الظهر لهذه المواضيع الخطيرة، بترك البلد لمفاجآت كورونا، أو العزف على اسطوانة التركة الثقيلة وسياسات ال30 عاما الأخيرة، المطلوب التصرف بجدية وبسرعة، واستنهاض الكفاءات والمواهب، وتبني سياسات جديدة تبعا لحاجات لبنان المستجدة، وهذه مرحلة ليست للتجريب لأن البلد في فم كورونا صحة واقتصادا، بل هي مرحلة مواجهة، نحن في حرب، وإذا عجز تشمبرلين إفسحوا الطريق أمام تشرشل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق