مقالات

شاهد عيان من ووهان…المشاهد التي أخفتها السلطات الصينية عن العالم!!
حسين حمية

لا ينقل الإعلام كل شيء، حتى في ما يُسمى “العالم الحر”، غير أنه في ظل النظم الشمولية يتصرف بانتقائية عالية، ويتولى تسييس “الحقيقة” لدعم النظام وخدمة الإيديولوجيا على اعتبارهما “الحقيقة العليا” أو “أم الحقائق”، وعليه، لايمكن التسليم بالسردية الصينية للذي حدث في ووهان أثناء انتشار وباء “كوفيد 19”. وهناك جانب من الحقيقة عندما يتهم بعض الدول بكين بإخفاء معلومات عن الوباء وحجم خطره، والكل صدّق حينذاك تأكيد القيادة الصينية بأن الفيروس تحت سيطرتها، ما أثّر بشكل كبير على استعدادات الدول الأخرى وتحضيراتها للتصدي له.

مع ذلك الحقيقة كالماء لن تعدم وجود مسارب لتنساب منها، فعلى الرغم من فرض السلطات الصينية رقابة صارمة على أي معلومة تتعلق بانتشار الوباء في ووهان ما لم يتم إجازتها رسميا، استطاع إعلاميون من خلال الثقوب التي احدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في جدران التكتم الصيني، من النظر إلى ما يجري داخل المستشفيات في ووهان، بالتحادث مع أطباء وممرضين كانوا في الخطوط الأمامية على جبهة المواجهة مع الفيروس.

ترايسي وان ليو (كاتبة ومراسلة) كان لها تحقيقا طويلا نشره موقع china file ، نقلت فيه مشاهدات من داخل مستشفيات ووهان، بالاعتماد على شهود عيان بينهم طبيب، كانت على التواصل دائم معه عبر الانترنت خلال شهري كانون الثاني وشباط، عندما كانت المدينة مغلقة على أنظار العالم إلا من النوافذ التي تطل على مشاهد محددة، تجيّر جهود الصينيين لمصلحة السلطة في بلادهم.

شاهد العيان الذي تواصلت معه المراسلة هو طبيب أطلقت عليه لاعتبارات تتعلق بالخصوصية الدكتور “لي” وهو ليس اسمه الحقيقي، وبدأت بالتواصل معه منذ 23 كانون الثاني، وكان الغرض من حديثها معه، تأمين أدوات لوجستية للحماية الشخصية له أثناء عمله في المستشفى، ثم تطورت الرسائل بينهما إلى الحديث إلى موضوعات تتصل بما يدور معه في مركز عمله.

الآن، وبعد أن أعلنت القيادة الصينية انتصارها على الوباء، وبعد مضي شهرين على انتهائه من العمل في مستشفى ووهان لمعالجة مصابي كورونا،  يعيش الدكتور “لي” على ما تقول المراسلة، حالة نفسية صعبة، لقد فقد اليقين بالأيام بالقادمة، “يصاب دائما بالدّوار، ويواجه صعوبة في الأكل والشرب، وأجيانا يبكي من دون أن يعرف السبب”.

هذه البهجة التي ينقلها الإعلام الصيني عن الانتصار على الوباء، هي ليست كذلك على الأرض، لا بل تتناقض بشكل صارخ مع ما كان يحدث في المستشفيات، فما زال الدكتور “لي” عالق في المشاهد التي رآها بأم عينيه، فلم يكن يدري أن الحياة بهذه الهشاشة والضعف، وفي أي لحظة قد تقع في فغر التنين.

وتنقل المراسلة عن “لي” ، عندما طُلب منه إقفال عيادته والالتحاق بمستشفى ووهان رقم 4 في 27 كانون الثاني الماضي ” واجه على الفور رجلًا ممدّدا على الأرض ، يضع كمامة ، ويتدثر بلحاف، مع اصفرار يميل إلى الخضار في بشرته. وعلى بعد خطوتين منه، كان شخص آخر يجلس على مقاعد البدلاء ، وهو مريض للغاية ولا يكاد يتنفس. بينما كان شاب يجلس بجانبه يصرخ عبر الهاتف طالباً المساعدة. وكان العديد من المرضى الآخرين ممدون على الأرض في رواق العيادة ، وهم يلهثون من أجل التنفس”.

وقال لها ” في “كل مكان ، وقف المرضى وأفراد أسرهم أو جلسوا أو استلقوا ببساطة على الأرض”. وبحسب لي “لم يكن لديهم تعابير على وجوههم ، كما لو كانوا قد اعتادوا – أو على الأقل استقالوا – على بؤسهم”.

وتنقل المراسلة عنه “كانت الأرضية مغطاة بالقمامة والدماء والقيء والبلغم. وعدد المرضى يفوق عدد الموظفين الطبيين بكثير”. ورأى “الممرضين المسؤولين عن الاستيعاب والتسجيل محاطين بأفراد أسر المرضى ، بعضهم ركعوا على أقدامهم وهم يتسولون للمساعدة. وبين الحين والآخر تصل سيارة إسعاف مع المزيد من المرضى. بالنظر إلى الخارج”. كما رأى “خطًا يبدو أنه لا نهاية له من الأشخاص ينتظرون عند باب المستشفى ، وكثير منهم لا يستطيعون إعالة أنفسهم إلا من خلال الانحناء على الحائط”.

لم ينقل الإعلام الصيني إبان انتشار الوباء في كانون الثاني، مثل هذه المشاهد التي كانت ستعدل لا محالة من موقف الحكومات في العالم من الفيروس وتجبرها على استغلال الوقت، وكان يجري تلقيم الإعلام العالمي بمشاهد تظهر جهود السلطات الصينية وتباهيها بتكنولوجيتها الطبية وأعداد الأسرة وآلات الإنعاش (أشبع بإعلانات تجارية) وإنشاء المستشفيات على عجل، فغاب عن هذا الإعلام، ما كان أخبره الدكتور “لي ”  للمراسلة “في الأيام الأولى من الإغلاق، “إن عدد المرضى الخارجيين الذين يأتون إلى العيادة كل يوم كان بالآلاف.. وكان ينتظر الناس أربع أو خمس ساعات فقط لتسجيل الدخول ، ثم ينتظرون أربع أو خمس ساعات أخرى إما لتلقي دواء منزلي أو للدخول إلى غرفة ضخ في الطابق الثاني ، حيث انضموا إلى عدة مئات آخرين ينتظرون الأسرة المتاحة”..

وشرح لها “كان البعض من المرضى لا يقوى على الوقوف، فينهار على الأرض،، من الواضح ، كانوا على وشك الموت. كانت أجنحة المستشفى ممتلئة لدرجة أنه كان من الضروري استخدام الممرات والأرائك على أنها أسرّّة إضافية. وكان يتم إشغالها بسرعة، وبقيت كذلك ، لأنه لا يبدو أن أحدًا يتعافى”..

قال لها “لي”: “لا يوجد ما يكفي من القوى العاملة ، والمعالجة المحدودة ، وندرة في معدات الحماية الشخصية”. وعندما كانت تحضه المراسلة على مساعدتهم كان يجيبها “أبذل قصارى جهدي”. أو “ماذا يمكنني أن أفعل أكثر؟”..

أيام الذعر
بعد ذلك بيومين ، في 29 كانون الثاني ، تقول المراسلة “اتصل بي لي في نوبة جنون. أثناء أداء واجبه في ذلك اليوم ، ,اخبرها أن أفراد أسرة متوف هاجموا أحد زملائه الأطباء، ومزّقوا قناعه وهتفوا: إذا كنا مرضى ، سنمرض معًا. وإذا كان علينا أن نموت ، فسوف نموت معًا “. 

وتنقل المراسلة ذات مرة أنه كان مرهقًا أيضًا. وأخبرها أنه لم يعد يستطيع تحمل المزيد.وقال : “منذ فترة طويلة ، كنت على استعداد نفسي للإصابة” ، مشيراً مرة أخرى إلى عدم وجود معدات الوقاية الشخصية الكافية. لكن ما لم يكن مستعدًا له على ما تقول المراسلة “هو صدمة الاضطرار إلى صد المرضى الذين تم دفعهم إلى حافة الذعر واليأس. وقد شهد تعرض الأطباء للعن والشتائم والضرب والسحب حول أروقة المستشفى. كان يخشى أن تكون هذه مسألة وقت فقط قبل أن يمر بنفس المعاملة”..

وتقول “صورت رسائل الدكتور لي مشهدًا من التدهور المستمر. المزيد والمزيد من الناس يموتون. ولكن بسبب ندرة معدات الوقاية الشخصية ، كانت هناك أوقات لم يدخل فيها الطاقم الطبي إلى الأجنحة حتى لنقل الجثث. حاول لي ، الذي كان يجلس بجانب الجثث ، صرف انتباهه عن طريق كتابة الوصفات الميكانيكية لأولئك الذين ما زالوا على قيد الحياة. كانت جحيما حيا”..

أخبرها الدكتور “لي”، أنه في الأيام الأولى من الإغلاق ، “كان يتم نقل جثث قتلى كورونا بواسطة “فان”. ولكن سرعان ما احتاج الأمر إلى شاحنة بضائع. في أحد الأيام ، بعد نوبته ، شهد لي عمال المستشفيات وهم يضعون الجثث – أحصى ما يصل إلى سبعة أو ثمانية – في أكياس الجثث ويرمونها على سرير الشاحنة”.

لا تفارق حتى الآن، هذه الصور المرعبة تفكير الدكتور “لي”، وفي آخر رسالة بعثها إلى المراسلة قال فيها “أتحسن ببطء”، وشدد لها، على أنه يكتم ما يشعر أمام الآخرين، لكن يأسف، أن كل تضحياته  وتضحيات زملائه استولى عليها مديرو المستشفيات المحظيين من قبل السلطة، “مع أنهم عندما استعر الوباء، تحصنوا داخل مكاتبهم ولم يخرجوا منها مخافة الإصابة، ومع ذلك جاءت اسماؤهم في أعلى قائمة المكافآت” .

ويبقى السؤال، ماذا لو كانت مثل هذه المشاهد تُنقل للناس في شهر كانون الثاني وشباط…مع ذلك هي قد تكون تحدث في مكان ما، وهذه التجربة هي ما يجب أن نتعلمها من الصين، وليس تلك البروباغندا التي يتم فيها نحر الحقيقة على مذبح السياسة والتجارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق