قضايا ومتابعات

مفاعيل كورونا لبنانياً.. العودة إلى الأرض والزراعة..
زهير دبس

لا يجتمع اثنان في القرى والبلدات الجنوبية إلا وتكون الزراعة ثالثهما. هذا هو واقع حال الناس اليوم بعد قرار التعبئة العامة ولجوء معظم أهالي قرى وبلدات الجنوب القاطنين في بيروت العودة إلى قراهم والالتزام بالحجر الصحي فيها، حيث الإكتظاظ أقل وبالتالي الخطر أقل أيضاً، من حيث التباعد بين المنازل والخصوصية التي يفرضها ذلك التباعد، بالإضافة إلى عامل الطبيعة المساعد في التغلب على تداعيات الڤيروس من خلال تمضية الوقت في الهواء الطلق وممارسة الرياضة وغيرها من الأنشطة التي تساعد الجسم على اكتساب مناعة في مواجهة المرض.

وإذا كان من المبكر الحديث الآن عن التداعيات والتحولات الكبرى والعميقة التي سيشهدها العالم بعد جائحة كورونا. فإن الڤيروس الذي أصاب الأرض وحجر سكانها في منازلهم منذ ما يقرب الثلاثة أشهر سيؤدي حتماً إلى تغيّرات كبيرة في سلوكيات البشر وفي أنماط عيشهم وفي النظم الصحية والإقتصادية والاجتماعية. وقد يمضي وقت طويل قبل أن يتعافى العالم من تداعياته التي ستترك ندوباً ضخمة وخطيرة على كل شيء. وإذا كانت العلامة الجيدة التي استطاع لبنان أن ينتزعها في تعامله مع الوباء، فإن ذلك لن يبقيه بمنأى عن تداعياته والتي قد يكون في جانب منها إيجابي وفي مقدمها العودة إلى الأرض والزراعة وهو ما نشهده في معظم المناطق اللبنانية وعلى نطاق واسع.

منذ الإعلان عن تسجيل أول إصابة بـ Covide 19 في ٢١ شباط الماضي وما تلاه من إعلان للتعبئة العامة وتقييد للحركة بدأ النزوح الطوعي للبنانيين نحو بلداتهم وقراهم حيث امتلأت قرى وبلدات الجنوب بالوافدين من بيروت، وذلك هرباً من الاكتظاظ في العاصمة التي خلت بنسبة كبيرة من الناس، حيث اقتصرت الحركة فيها على فئات معينة ولضرورات العمل فقط.

أما كيف يمضي الوافدون إلى القرى والبلدات يومياتهم فيها؟ السؤال لا تجد عناءً في الإجابة عليه فمعظم الناس منهمكة باستصلاح «حواكير» المنازل والأراضي المهملة حيث حركة الجرارات والآلات الزراعية الخاصة بحراثة الأرض في حركة دائمة لا تهدأ، خصوصاً أننا في صلب الوقت الذي يتم فيه زراعة الموسم الصيفي من بندورة، مقتى، خيار، ذرة، كوسى، باذنجان، بامية، ملوخية، فاصوليا بالإضافة إلى البقدونس والكزبرة والروكا والفجل والخس وغيرها الكثير من الأصناف. المشهد يتضح أكثر في المشاتل الزراعية التي تبيع تلك الأصناف وأيضاً المحلات الخاصة بالأدوات الزراعية والبذور والمبيدات الحشرية حيث الطلب فاق المتوقع وهذا ما شاهدناه أثناء جولتنا على عدد من المشاتل والمحلات الزراعية التي تعمل بشكل متواصل، وبالرغم من ذلك فإن الإنتاج لم يستطع الإيفاء بالطلب.

إقبال غير مسبوق

الإقبال غير المسبوق من الناس على الزراعة مرده إلى أسباب عديدة شكَّل الحجر المنزلي وأوقات الفراغ الطويلة ظرفاً مناسباً لها ويأتي في مقدمها توفير منتجات زراعية صحية خالية من التلوث، وأيضاً الخوف من المجهول والمقبل من الأيام من أن يتناقص المخزون الغذائي، إضافة إلى الغلاء الفاحش في أسعار الخضار على أنواعها. وفي هذا الإطار يقول غازي سعادة وهو صاحب مشتل في بلدة البابلية إن «الإقبال على الزراعة زاد بنسبة ٥٠ في المئة عن العام الماضي وهو ما نلحظه ليس فقط في مشتلنا بل في معظم مشاتل المنطقة التي تشهد زيادة في الطلب وعدم القدرة على تلبية طلبات الزبائن الذين يأتون من المناطق كافة بما فيها العاصمة بيروت، والطلب يطاول أصناف الموسم الصيفي مثل البندورة والباذنجان والخيار والبطيخ والمقتى وغيرها من الأصناف الصيفية. يتابع سعادة «الأسعار زادت بنسبة حوالى ٥٠ في المئة للشتول والسبب في ذلك أن أسعار المواد الأولية زاد بنسبة ثلاثة أضعاف لناحية الترب والبذور وأسعارها بالدولار. عن سبب إقبال الناس على الزراعة يقول سعادة إن دافعه التخفيف من فاتورة شراء الخضار التي ارتفعت بشكل قياسي وأيضاً تمضية الوقت الناجم عن الحجر المنزلي، إضافة إلى عامل الخوف من أن تطول الأزمة وتصعب معها عملية الاستيراد من الخارج «نحن محجورون وغيرنا محجور أيضاً».

وعمّا إذا كان الإقبال على الزراعة سيؤدي إلى الاكتفاء الغذائي الذاتي قال سعادة إن هذا الأمر مستبعد الآن ويحتاج إلى خطة أكبر ترعاها الدولة. وأشار سعادة إلى أن العديد من البلديات بدأ يقوم بتوزيع الشتول على الناس بغية تشجيعهم على الزراعة. وتوقع سعادة أن يطول الموسم الزراعي حتى شهر حزيران بسبب الطلب المتزايد وهو ينتهي عادة في منتصف أيار.

من ناحيته يقول جواد قبيسي وهو من بلدة أنصار وكان يشتري شتول للزراعة أن من حسنات كورونا أنها أعادتنا إلى الأرض والزراعة، قبيسي الذي يقوم بزراعة أرضه للمرة الأولى أوضح أن الهدف من ذلك هو الحصول على منتجات زراعية خالية من المواد الكيماوية، وأيضاً تمضية الوقت بسبب الحجر المنزلي وممارسة الرياضة في الهواء الطلق.

 

لم يقتصر الإهتمام بالزراعة على فئة معينة من الناس، بل طاول معظم الفئات، مهندسون وأطباء وطلاب وأدباء جميعهم انخرط في عملية الزراعة. وفي هذا الإطار يقول سامي بركات من بلدة أنصارية وهو رئيس المنتدى الثقافي الاجتماعي في الزهراني ومدير مدرسة إن الإقبال على الزراعة دافعه خوف الناس من فقدان المنتجات الزراعية وتوقف عملية الاستيراد، وهذا في جانب منه إيجابي لكي يحث الناس على العودة إلى الأرض لأنها الأساس في عملية الاقتصاد المنتج وليس الريعي.

أزمة معاكسة

«الحواكير» كما كان يُطلق عليها سابقاً بدأت تستعيد عافيتها وتنفض عنها غبار الإهمال والنسيان. الجرارات الزراعية وآلات الفلاحة بدأت تمخر عباب الأرض و«تثلمها» استعداداً للزراعة. الناس في ورشة زراعية كبيرة لكن ماذا عن المزارعين الذين يواجهون أزمة ارتفاع أسعار البذار والأسمدة والمواد الأولية، وهي تهدد عملهم وباب رزقهم حيث لم يعد لديهم القدرة على تحمل أعبائها. وفي هذا الإطار يقول المهندس إبراهيم الراعي إن ارتدادات كورونا على الناس في القرى كان إيجابياً حيث حثها على العودة إلى الأرض، وهذا ما نشهده بشكل واضح من هجمة غير مسبوقة على الزراعة، لكن ارتداداتها على المزارعين كان سلبياً من حيث إحجامهم عن شراء المواد الكيماوية والبذار بسبب ارتفاع أسعارها بشكل كبير.

وأوضح الراعي أن هذا الأمر يشكل خطراً على قطاع أساسي من قطاعات الإقتصاد اللبناني وهو يتطلب تدخلاً من الدولة لتدارك هذه المشكلة، خصوصاً أن المرحلة الخطيرة التي نعيشها بسبب كورونا تتطلّب تعزيزاً للقطاع الزراعي لما يؤمنه من أمن غذائي وطني ومصدراً للعيش لشريحة واسعة من اللبنانيين. وشدد الراعي على أن زراعة «الحواكير» حول المنازل على أهميتها في هذه الظروف، إلا أنها لا تحل مشكلة الأمن الغذائي الذي يتطلب خطة شاملة من الدولة للنهوض بهذا القطاع. ولا يسعنا في هذه الظروف إلا أن نردّد ما قاله أديبنا وفيلسوفنا جبران خليل جبران «ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر». وكأن جبران توقع ما نعيشه اليوم قبل مئة عام، حيث ستبقى تلك العبارة تدق ناقوس الخطر وتشكل جرس إنذار لكي نقوم بما يجب علينا القيام به.

مجلة «الأمن»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق