قضايا ومتابعات

حوار بعبدا .. من دون العناوين الخلافية لزوم ما لايلزم
خالد صالح

دأب السياسيون في لبنان منذ العام 2006 على تكرار مصطلح ” الحوار الوطني “، كتدبير استثنائي بديل عن الأصول الدستورية، وشكّلت الأزمة التي انطلقت غداة اغتيال النائب جبران تويني واعتكاف الوزراء الشيعة الخمسة منطلقًا للبحث عن آلية تجمع الأفرقاء لفتح حوار شامل بين كل الأطراف اللبنانية لمعالجة المسائل الحساسة التي كان يمر بها لبنان في تلك الفترة، كترسيم الحدود مع سوريا وسلاح الميليشيات خارج المخيمات وانتخابات رئاسة الجمهورية، و” عقدة العقد ” الاستراتيجية الدفاعية .

أنجزت طاولة الحوار البنود الثلاثة الأولى، وعندما بدأت بمناقشة الاستراتيجية الدفاعية والتي عبرت إلى ثلاث جلسات، جاء عدوان تموز 2006 ليؤجل البت في هذا الموضوع إلى مرحلة لاحقة، ورغم معاودة الحوار لجولاته في عهد الرئيس ميشال سليمان، إلا أن العقدة الأساس بقيت على حالها، ولم تخرج بنتائج ملموسة، فظل قرار السلم والحرب ممسوكًا من قبل حزب الله، وظل الحزب يمارس رؤيته المحلية والاقليمية حتى اندلاع الأزمة في سوريا ليكون قرار ” النأي بالنفس ” والذي أيضا ظلّ حبرًا على ورق .

لقاء بعبدا المقبل في الـ 25 حزيران الجاري، هو بمثابة حوار وطني آخر، لذا فإن أي حوار لا يضع الاستراتيجية الدفاعية على طاولة البحث هو لزوم ما لايلزم، وهو ” بروباغندا ” اعلامية فاقعة، فالحوار الحقيقي يكون لمعالجة الأسباب وليس النتائج ( كما كان الحوار الوطني في الطائف )، وما نمرّ به من ظروف صعبة سياسيا واقتصاديا ومعيشيا، مردّه لاستفراد حزب الله بقراره وتمسكه بسلاحه تنفيذًا لأجندة الكل يعرف أنها ليست لبنانية .

إن أي حوار وطني تحت أي سقف خارج الاطار الدستوري هو لـ ” الصورة التذكارية ” ليس أكثر، فالظروف الضاغطة محليا واقليميا خصوصا مع البدء بتنفيذ مندرجات قانون ” قيصر “، تحتّم انتظام عمل المؤسسات لا ضربها في الصميم، وأي حوار لا يكون سبب المشكلة هو البند الأول والوحيد على طاولة البحث، لن يؤدي إلى نتائج تنتشل البلاد من هوة الانسحاق التي شارفت عليها .

كل اللبنانيين باتوا على يقين أن السلاح غير الشرعي والدور الاقليمي الذي ينفذه حزب الله هو سبب ” خراب البصرة ” وسيكون سبب سقوط ” الهيكل ” على ساكنيه، لذلك فإن الحوار الذي دعت إليه دوائر القصر الجمهوري ليس بذي فائدة، فهو بلا عنوان محدّد، وينأى القصر عن أساس المعضلة، ويبحث عن غطاء لهشاشة العهد والحكومة، وتحديدًا بعدما أصبح هو وحكومة ” مواجهة التحديات ” في عزلة عربية ودولية، وتحت مجهر بنود ” قانون قيصر “، لذا كان من المفروض أن تلاقى الدعوة إليه بالكثير من الفتور ..

كل جلسات الحوار التي شهدها لبنان منذ الـ 2006 إلى اليوم لم تحقق الغاية المرجوة منها، بل تسببت في تعقيدات كبرى أضيفت لجملة التعقيدات التي نعاني منها، لأن الانقسام الحالي ليس عموديًا ولا أفقيا، بل لولبيًا، وكل فريق يقيس الأمور من منظاره، ومن مصالحه ومقارباته، وأضعف الحلقات في هذا المحور الحواري هو ” العهد ” الذي يفتش جاهدا عن تأييد وتأكيد لمسيرته، التأييد لمواصلة نهشه في جسد الدولة ومؤسساتها، وقد ظهر هذا جليا في التعيينات المالية الأخيرة وموضوع سلعاتا، والتأكيد على أنه الحاكم الفعلي في لبنان وليس الحاكم الصوري ..

من هنا لم تسفر الاتصالات التي يقوم بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم عن كسر الجليد المتراكم، وتأمين الحضور اللائق بهكذا دعوة، الأمر الذي قد يدفع بالقصر الجمهوري إلى تأجيل هذا الحوار، لأن انعقاده في ظل غياب قيادات وازنة، على غرار رؤساء الحكومات السابقين وكتلة المستقبل واللقاء الديموقراطي والمستقلين وربما سليمان فرنجية والكتائب، سيكون بمثابة أكثر من دعسة ناقصة للعهد، بل سقطة كبيرة قد تكون قاسية وستوسم مسيرته بالفشل، خصوصا بعد النتائج الهزيلة التي أسفر عنها اللقاء الاقتصادي قبل ستة أسابيع ..

الحوار الوطني .. لن يُكتب له النجاح إن لم يحدد اتجاه البوصلة، ولن يُكتب له النجاح إن فقد الميثاقية السنية، وسيبدو أعرجًا كحوار أهل البيت فيما بينهم، بينما يعتقد القصر الجمهوري أنه يملك ترف الوقت ليفكر بلقاءات حوارية كهذه، فيما حكومته عاجزة عن القيام بإجراء إصلاحي واحد، يفتح الطريق أمام لبنان للعودة إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي يشتدّ فيه ” قيصر ”  ولن يرحم ..

       

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق