قضايا ومتابعات

هل تراجع ترامب عن ضرب سوريا؟

مناطق نت

هل تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وعيده أمس الذي قال فيه: “الصواريخ قادمة إلى سوريا إستعدي روسيا”. وماذا تعني تغريدته اليوم”لم أحدد مسبقا متى ستُنفذ الضربة ضد سوريا، يمكن أن تكون في القريب العاجل أو قد لا تكون قريبة على الإطلاق”؟.

يمكن تلافي الحروب والضربات العسكرية بآخر دقيقة، ويمكن للتهديدات والتهويلات بما فيها الذهاب للاستعدادات والتحضيرات العسكرية أن تقوم مقام الحرب نفسها، والدول كيانات عاقلة مهما كان سياسيوها وأنظمتها، فهي تفكّر بالمصلحة وليس بالعاطفة، وللحروب غايات سياسية وامنية واقتصادية متى تحققت تبطل الحرب نفسها.

لا أحد يصدّق أو يقتنع أن التهديدات الغربية الأخيرة بضرب سوريا، سببها استخدام النظام للأسلحة الكيميائية في الهجوم على دوما، ليس لأن النظام صادق بعدم الاستخدام، وليس لأن الغرب كاذب باتهاماته، لكن سياق بناء المواجهة الحالية بين الطرفين، يفصح عن اسباب مختلفة، والكيميائي ليس سوى عذر للتغطية على الدوافع الحقيقية لهذه المواجهة.

في كل مرة يستعجل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضع الخطوط الرئيسية للحل في سوريا على قاعدة تغليب مصالحه ومصالح “حلفائه” في سوريا (تركيا وإيران) يكون هناك رد ما ينكر عليه قدرة الاستفراد في هذا الحل، كان آخرها ما حدث عند إعلانه النصر في حميميم، فكان قصف القاعدة الروسية هناك بصواريخ مجهولة أدت إلى تدمير 7 طائرات روسية، ثم أعقبها سقوط طائرة انطونوف بطريقة غامضة قبل هبوطها بقليل في مطار القاعدة نفسها على علو منخفض.

بخلاف الأميركيين وحلفائهم، لدى بوتين الأفضلية في اتخاذ المبادرة في سوريا، فهو من جهة يملك رؤية، ومن جهة ثانية اشتغل بالوسائل العسكرية والأمنية والسياسية على تهيئة الأرض لرؤيته للحل السياسي في هذا البلد، في حين الطرف الآخر، ليس لديه استراتيجية توصل الأزمة السورية إلى حلول سياسية،وفي وقت يصر هذا الطرف على تنفيذ مقررات مؤتمر جنيف، لكنه لا يملك على الأرض ما يساعده على تنفيذ رغباته، فهو يعتمد على فصائل متناحرة فيما بينها وينقصها العتاد والسلاح وبعضها متهم في الإرهاب وارتكاب الجرائم البشعة بحق المدنيين، إضافة إلى أن النظام السوري وحلفاءه استطاعوا دحرها من مناطق عديدة كانت تسيطر عليها.

استغل بوتين نقطة الضعف لدى أعدائه على الساحة السورية، وأعاد ترتيب معسكره وعمل على صياغة توافقات بين تركيا من جهة وإيران والنظام السوري من جهة أخرى، سمحت له في مؤتمر إنقرة منذ اسبوع، بترتيب مستقبلي للوضع السوري، عبر تقاسم النفوذ بين هذه الأطراف، ويقضي باقتطاع تركيا منطقة أمنية في شمال سوريا، وإعطاء إيران امتيازات عسكرية واقتصادية واستثمارية في أكثر من منطقة سورية، لقاء إعادة تأهيل قوة النظام وتمكينه من فرض سلطته في مناطقه، وهذا ما حصل باستعادة الجيش السوري معظم الجيوب التي تسيطر عليها المعارضة في محيط دمشق.

استشعر الإسرائيليون بعد مؤتمر إنقرة وقبله بأيام بإعلان ترامب الانسحاب قريبا من سوريا، بأن الأمور ماضية إلى تجاهل مطالبهم الأمنية في جنوب سوريا، لجهة إبعاد الإيرانيين وحلفائهم من الميليشيات الشيعية مسافة 20 كلم عن الجولان، ومنع طهران والحرس الثوري من بناء قواعد عسكرية في الداخل السوري أو الساحل لمد حزب الله بالاسلحة.

لم يمر وعد ترامب بالانسحاب من سوريا، فقد تم الالتفاف عليه، بإعلان البنتاغون بأن ليس لديه مواعيد لسحب قواته من هناك، لا بل تم دعم المواقع الأميركية قرب منبج، وتعهد الفرنسيون بإرسال قوات عسكرية إلى المناطق الكردية. وإذ لم يصدر موقف أميركي بعد مؤتمر إنقرة، كان اختراق تل أبيب للخطوط الحمراء الروسية بقصفها (من دون إبلاغ موسكو) القسم الغربي من مطار تي فور الذي يشغله الإيرانيون، وهدد القصف حياة عسكريين روس يشغلون قسما آخر من المطار.

إلى هذا، حدث أن اقتحم رجال الإف بي آي الاثنين الماضي مكتب محامي ترامب وكاتم أسراره مايكل كوهين الذي دفع 130 الف دولار لممثلة إباحية ادعت أنها اقامت علاقة جنسية مع ترامب في العام 2006، وفي عملية الدهم تمت مصادرة وثائق من مكتب كوهين بطلب من المحقق الخاص روبرت مولر الذي يحقق بوجود روابط بين حملة ترامب الرئاسية وروسيا.

بعد هذه الأحداث كان الاتهام الكيميائي، والدعوة لمحاسبة النظام. يكشف مشروع القرار الأميركي في مجلس الأمن والذي تم إسقاطه بفيتو روسي، نوايا الأميركيين وحلفائهم في تقويض نتائج مؤتمر إنقرة، الذي يقضي بتقاسم النفوذ في سوريا فيما بين روسيا وحلفائها، فهناك فقرة في القرار تعنى بمحاسبة المسؤولين السوريين عن استخدام الكيميائي في دوما، وهذه تعطي الأميركيين صلاحية ملاحقة القيادات السورية الموالية لروسيا وإيران، أو تهديد هذه القيادات بالملاحقة لتطويعهم، وبالتالي تعطيل الحل الروسي.

أمس تصاعدت حدة التهديدات الأميركية باقتراب الضربة، حتى اعتقد البعض أنها ستحدث بين الساعة والساعة، لكن فجأة خمدت كل هذه التهديدات بعد الاتصال الليلي بين بوتين ونتنياهو، وقد ابلغ فيه الأخير الرئيس الروسي بأن إسرائيل لن تسمح لإيران بالتمركز عسكريا في سوريا.

تغريدة ترامب اليوم، فيها تأخير للضربة العسكرية لسوريا، لكن هل هذا لإعطاء مجال للتفاوض، أو تمهيد لتراجع..وبالطبيعي سيكون هناك سؤال هو: لماذا أو مقابل ماذا هذا التراجع؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق