ثقافات

«كشيش الحمام».. الطائر بأوهام الرغبة المصنعة..
سعيد علي نجدي

هناك ملاحظات اولية حول التصورات التي يقيمها كشيش الحمام مع هذه اللعبة (الهواية) والتي وجدت فيها أنها تتجاوز فعل التسلية والمرح، وتتخطى ذلك باتجاه أبعاد رمزية مشكلةً ظاهرة تندرج تحتها أبعاد عدة مستعيناً ببعض الأدوات والمفاهيم بغية تقديم تفسير أولي.

السؤال الاستشكالي حول هذا الموضوع بما أن هذه اللعبة ليست مجرد فعل تسلية وبما أن لها دلالات رمزية في ما وراء الفعل من خلال العلاقة مع أكثر من آخر . هل هذه الظاهرة الرمزية هي التي تنتج هذه الدلالات الكامنة خلف هذا الفعل (اللعب)؟ ام أن هذه الرموز هي متغير مستقل؟ وإذا كانت هكذا أي أن هذه الرمزية بما أنها متغير مستقل هل هي التي تحكم وجود هذه الظاهرة؟ وهنا سوف نقع تحت مشكلة الأسبقية، لهذا سوف نؤجل الدخول بدهاليز الاجابات المسبقة بعد معاينة وملاحظة وفهم الموضوع عن كثب، لنقوم أولاً بمراقبة وعرض الملاحظات الأولية لأننا اكتشفنا أنها أبعد من أن تكون مجرّد هواية عابرة نظراً لما يشعر به اللاعب وما تؤمنه له هذه اللعبة من إشباع على المستوى الخارجي (المادي) والداخلي (المعنوي) ونظراً لوجود كثافة في المدلولات والتصورات والتقنيات في هذه اللعبة. وأيضا لأنني لاحظت أنها لعبة قديمة جداً وتمارس في بلدان كثيرة والأهم عدم دراستها واكتشاف المدلولات الرمزية منها.

وكما هو معروف، فإن للطير رمزيات عدة من خلال ما يعطيه من معانٍ في تحليق الروح، وهذا ما أشار إليه فريد الدين العطار مثلاً في منطق الطير عندما يصف حالاته، وكذلك فيما أشار إليه ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة الذي كان عملاً يتناول رمزية الحب، لهذا نرى أن هذه اللعبة تحرر الإنسان من محيطه المجتمعي. وهنالك تصورات شعبية ترى في براز الحمام فأل خير او قدوم رزقٍ معين، كما أن هناك تصورات أخرى حول البركة والسلام الروحي الذي يحمله الحمام، لهذا نلاحظ وجود الحمام في معظم الأماكن المقدسة، مثل الحرم المكي مثلا إلا أننا لن ندخل في هذه التصورات، وسنكتفي بتصورات لعبة كش الحمام.

إن اللعب كما الفكر والفن هو مظهر من المظاهر الثقافية وفي أحيان عديدة تكون هذه المظاهر قريبة من طقوس السحر، لهذا ومن خلال الملاحظة تبدو لعبة كش الحمام لعبة قريبة هي أيضاً من الطقوس السحرية أو التعويذات الدينية. تقبع خلف هذه الظاهرة الاحتفالية الرمزية معانٍ من خلال إشباع الذات واعطائها بعداً تجاوزياً كلعبة البوزكاتشي الافغانية مثلاً مع فارق النوع .

فمحاكاة الطيور تشبه طقس العبور (المسارة) من خلال تقنيات عدة تستخدم في هذه اللعبة، منها الاستدعاء لقوى أخرى (الحمام) وبشكل لا واع يكون التماثل مع أشياء أخرى من خلال الحركات والأصوات، وفي هذا تكمن رغبة التحكم والسيطرة، لتكون الطيور كناية من الدلالات على المثيل بالمثيل، فتحضير عملية الكش (الاحتفالية أشبه بالبوتلاتش عند شعوب بولينيزيا التي استخرج منها مارسيل موس مفهوم الهبة) يكون فيها التبادل على عدة مستويات، ويكون فيها اللاعب في أعلى درجات التوتر والعصبية الغريبة المنخطفة، استخدامه لكلمات وإشارات مشفرة تحاكي بشكلٍ لا واعٍ حضور قوى رديفة بالتجانس للامساك بتلك القوى (الطيور هي الكناية) وتحويلها لمصلحة شخصية، تحضر الاحيائية هنا أيضاً من خلال منح شعور الترابط ما بين اللاعب وبين هذا الطقس (الكش) لتكون هذه الطيور المستأنسة هي الوسيط، من هنا فإن كشاش الحمام اللاعب يشبه إلى حد ما الساحر الذي يتمتع بموهبة الاستدعاء وهنا يكمن فن اللعبة أما التشابه ما بين الإثنين هو في أن الساحر يتصور أنه يقوم بعملية استدعاء الارواح، أما الكشاش يقوم باستدعاء الطيور والتي تكون عبارة عن كناية الأبعاد الغيبية وهنا تكمن الرمزية، وفي هذا أيضاً تتشكل العلاقة مع عالم خارجي (لامادي) غيبي عبر إضفاء معنى يتجلى في هذه الظاهرة الأشبه بطقوس السحر أو الدين والمقدس، وتصبح الطيور هنا أدوات للمقدس… إلخ. والتشابه في الحركات الخاصة والأصوات اللامفهومة والتوتر والانزعاج من أية حركة يصدرها المحيطون.

في هذه الظاهرة (لعبة كش الحمام) يكون التبادل على أكثر من صعيد، حيث تتحشد في هذه اللعبة معانٍ داخلية عدة (الرغبة) وخارجية (تحدي الخصم) لذلك هناك آخران المادي والمعنوي.

الأولى، المعنوي: وهي عند تحليق الحمام بالافلاك (كما يقال لأن العبارات هي من المقابلات والأفلاك إشارة إلى العلو بالتحليق) يشعر اللاعب في هذه اللحظة بأن روحه تحركت وحلقت مع هذه الطيور وهنا يكون التبادل بين اللاعب وبين عالم الأفلاك العالم العلوي والتي تكون فيها الطيور مثال لروحه الأشبه بالدوائر الطائرة التي تدور معها الروح لتتخطى عتبة الزمن لدرجة يقول لي أحدهم أن الإحساس المادي يتوقف (لاحظت ذلك من خلال كلامي معه عند هذه اللحظة كأنني لم أكن موجوداً البتة، حتى أنه قال لي لاحقاً أنه لم يسمعني).

الثانية، المادي: وهو تبادل بالمعنى المادي (الخارجي) الذي يعطي لذة الانتصار على الآخر وكسره فعندما تختلط أكثر من كشة مع الآخرين وتعود كل طيور اللاعب من دون خسارة أي طير هنا يكون التحدي والأهم عندما تسلب طيراً من طيور الخصم يكون الفخر والتباهي بطيور اللاعب التي جلبت طيوراً أخرى من الخصم وفي هذا دليل على قوة طيور اللاعب وهنا يتجلى الشعور بالقوة لأن أدوات القوة _ المقدس (الطيور) جعلت اللاعب قوياً لأنه قد كسر الخصم (أي قتله رمزياً) وجعله يفقد إحدى طيوره وأنه قد أشبع رغبة القوة وحضور ذاك الغائب بالكناية والمثل والممثول. المثل هي الطيور، والممثول هو العالم الآخر الرديف. هذه العملية أشبه بالحرب والطيور هم جنود الحرب الذين أوقعوا جنود الأعداء بالأسر والإعتزاز إنه مهما بلغ عدد الجنود إلا أن الأهم هو في التنظيم والتطويع والتناغم حيث أن كل واحد منهم (الطيور) يعرف مكانه يتراصفون مثل المارش العسكري حسب الإشارة، إنها أيضاً أشبه بلعبة الشطرنج لأنها تحرك الجنود ولأنها تحتمل الربح والخسارة والرهانات، ولأنها تحمل قواعد وتقنيات فهؤلاء الجنود (الطيور) أشبه بالجوقة الموسيقية الاحتفالية أو أشبه بوليمة قربان المقدس.
من تقنياتها: التشميس، الاصحاء وغيرهما. ومن أنواع هذه الطيور التي تستخدم للكش أهمها لدلالة اسمها هو حمام (المراسليات) الاتي إسمها وتعبيرها من المراسلات وبعثها على أكثر من صعيد كما تبين معنا فهي لا تبعث برسائل للآخر فقط إنما تعطي وتؤمن إشارات للذات أيضاً.

إن اللاعب هو أشبه بالحاوي لهذه الطيور ومجندها. فمنذ آلاف السنين كان للطيور مهمة نقل الرسائل أي التبادل مع الآخر إن كان من بلد أو ثقافة أو دين آخر وكانت تسمى الحمام الزاجل الذي كان له دور في الحروب وفي الغراميات والإنتاج إلخ… والأهم هو في الوظيفة المختلفة المراد توظيفها في هذه الطيور والتي تتعدى أمور اللعب ليتبين من خلال الملاحظة أنها لعبة تنطوي على أبعاد داخلية أي مع الذات.

إذاً ما قلنا أن في هذه الظاهرة أنها تشكل ظاهرة كلية، إلا أن لديها العديد من الأبعاد السلطوية (الشعور بالقوة) والاقتصادية (أكلاف الغذاء والدواء كأن هذه الطيور هي قطعة من روح اللاعب حتى أن أحدهم قال لي (عمره أربعون سنة) أن هذه اللعبة أهم من الزواج، وأيضاً اقتصادياً لأن اللاعب يبيع في بعض الأحيان إحدى طيوره بثمن عال أي أنه يحصل على أرباح والتبادل بها بأشياء أخرى أيضاً أي أن لها قيمة تبادلية) وأبعاد قرابية (بتوريث المهارة وفن اللعب والاحتواء واستدعاء الطيور التي تفهم وتطيع الأوامر أي هذه الحرفة أو الموهبة والهواية نقلها وتوريثها إلى الأبناء ليبقى إسم الأب وقوته من خلال الطيور وفي هذا أيضاً رغبة في الخلود) وأخيراً البعد الرمزي (الرؤية إلى العالم والرغبة ما وراء اللعب والتواصل والتبادل مع عوالم أخرى)
أخيراً يبدو أنه لا شيء خارج الحقل المجتمعي الذي تعوض فيه الرغبات العديدة من خلال إنتاج الرموز التي تختفي الرغبة وراءها وبالتالي يصار إلى إنتاج العديد من الأوهام وذلك بإنشاء عوالم رديفة والتواصل معها بأدوات بعدة (كلعبة كش الطيور) بشكل لا واع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق