قضايا ومتابعات

هل تولد الحكومة اللبنانية من ” قبعة ” الكباش الفرنسي – التركي ؟
ميرنا دلول

لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمر 2001 مجرّد عمل إرهابي ضرب الولايات المتحدة الأميريكة في الصميم، بل بابًا ساهم بشكل كبير في تبدلات جمّة طرأت على السياسة الأميركية، داخليا وخارجيا، فهل يكون زلزال 4 آب الذي ضرب بيروت سببًا جوهريا لتبدلات على المشهد المحلي والاقليمي، مع تدويل متوقّع نتيجة تشابك مصالح أفرزها الانفجار المشؤوم ؟.

رغم الصورة الايجابية التي تبدّت إزاء الاهتمام الدولي (لاسيما الفرنسي) بالشأن اللبناني، وعودة بيروت ” قِبلة ” و ” محط أنظار ” العالم ودخول ماكرون بثقله (الرسمي والشخصي) على خط التعقيدات اللبنانية، في محاولة جادّة لتعويم فكرة تشكيل حكومة جديدة تحاكي الداخل والخارج معًا وتشرّع الطريق نحو تدفق المساعدات لانتشال لبنان من بؤرة الفساد والأزمات معا، تظل بعض التفاصيل التي تحظى بالمتابعة بالنظر إلى دقتها وخطورتها في الوقت عينه.

طبيعي جدًا أي يكون من المبكر الحديث عن أي تصوّر للحكومة الجديدة أو حتى عن رئيسها، فهذا تفصيل يأتي في المقام الثاني أو الثالث لأن الأهم حاليا هو قراءة ما يدور في شرق المتوسط من لعبة ” بسط النفوذ ” خصوصًا مع دخول اللاعب التركي بقوة في رحلة البحث عن امتداد سياسي وتجاري يبدأ من شمال سوريا ولا ينتهي في شمال افريقيا، بالتزامن مع الأزمة المندلعة بينها وبين اليونان على بعض جزر بحر إيجه والصراع حول النفط والغاز.

تقول مصادر متابعة للتحركات أن لبنان هو ساحة المواجهة الديبلوماسية وأن اتصال ماكرون بالرئيس الإيراني لوقف التدخلات ودعم تشكيل حكومة جديدة، أثمر سريعا من خلال وصول وزير خارجيته جواد ظريف إلى بيروت بالتزامن مع وجود المبعوث الأميركي ديفيد هيل فيها، لأن النزاع حاليا ليس على تشكيل حكومة لبنانية، بل هو ” صراع المرافىء ” لهذا فإن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي وهو ترى التمدد الفرنسي يصل للقرب منها،

وتؤكد المصادر، إن ظهور فرنسا بقوة في شرق المتوسط، وسعيها لتعزيز وجودها العسكري، يأتي بعد استشعارها بمدى بروز الدور التركي لاسيما من خلال توقيعها اتفاقًا مع حكومة الوفاق الليبية والذي سمح لها بالتدخل عسكريا فيها، فالجميع يدرك أي خطر تشكله رؤى أردوغان مستقبلا وبالتحديد مع بداية العام 2023 جيث ستكون تركيا حرّة من أي اتفاقية ألزمتها فيها قوات التحالف عقب هزيمتها في الحرب العالميةى الأولى .

وتشير المصادر إلى أن الوقوف وجهًا لوجه على أرض بيروت المحروقة بحجة حكومة جديدة، ومساعدات واصلاحات وعدم تدخلات، ما هو إلا مسار مختلف يطرأ على المنطقة وعمقها، ومن البديهي جدًا أن ننظر إلى انعكاسات الاتفاق الإماراتي – الاسرائيلي الذي رعاه دونالد ترامب وهو في مواجهة ” كسر عظم ” بالانتخابات الأميركية المقبلة، ليكون واقع المنطقة وتحديدا ما يجري في لبنان، من صلب اهتمامات واشنطن التي تشكل له رافعة لحسم الصورة النهائية للحكومة الجديدة بحيث تذهب الأمور في اتجاهين:

الأول : حكومة منفصلة عن الواقع الاقليمي السابق من خلال ارغام ايران على حث حزب الله بعدم المشاركة فيها، وذلك عبر التلويح بسياسة ” الجزرة ” من خلال التخفيف من بعض العقوبات المفروضة عليها، وأن يمتد المناخ المساعد لوضع لبنان على سكة الانقاذ وإلا فإن سياسة ” العصا ” ستظل قائمة وسيظل لبنان الجريح يدفع أثمانا باهظة .

الثاني : حكومة منفتحة اقليميا ودوليا لقطع الطريق على أي تدخل تركي محتمل ولو من باب الاقتصاد والمساعدات، لذلك تمّ الاعتراض عليها بسرعة من خلال طرحها إعادة بناء مرفأ بيروت خلال فترة لا تتجاوز 6 اشهر، وبروز ملامح صراع تركي – فرنسي حول لبنان عبّر عنه بوضوح الهجوم العنيف الذي شنّه أردوغان على ماكرون، متهمًا إياه بأن له ” أهدافا استعمارية ” في لبنان، وواصفًا زيارته لبيروت الأسبوع الماضي بـ ” الاستعراضية ” قائلاً ” ما يريده ماكرون وفريقه هو عودة النظام الاستعماري في لبنان. أما نحن فلا يهمنا التهافت لتُلتقط لنا صور أو لنقوم باستعراض أمام الكاميرات “

وختمت المصادر بأن ” الجدول الدفتري ” للحكومة المقبلة لابد أن تتصدره قضية الاصلاحات الحقيقية خصوصا في قطاعي الكهرباء والاتصالات، ومكافحة الفساد، وتحرير القرار الرسمي من اي ضغوط آتية من ” حزب الله ” لاسيما عبر حلفائه المسيحيين وتحديدا التيار الوطني الحر والوزير السابق جبران باسيل، وبالتالي امكانية عودة الدعم الخليجي وفي مقدمه المملكة العربية السعودية إلى الواجهة وهذا بحد ذاته كفيل بعرقلة التوجه التركي نحو شرق المتوسط .

سيكون الأول من ايلول المقبل تاريخ الاحتفال بمئوية لبنان الكبير، وبحضور فرنسي رسمي يتقدمه ماكرون شخصيا، وعلى صدى قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقرار مجلس الأمن بشأن التمديد لقوات اليونيفيل في الجنوب، كلها مجتمعة تشكل عوامل دقيقة قد تًخرج الحكومة من ” قبعة ” الكباش الحاصل، ويكون لبنان هو المستفيد الأكبر ..    

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق