قضايا ومتابعات

زمزم «الأثيوبية» وابنتها مروى.. أحلام صغيرة تتكسر في زمن كورونا!!
قمر غصن

تصادف مجيء زمزم لتنظيف شقّة صديقتي، أثناء وجودي هناك. كانت تحمل طفلتها التي أكملت عمر الأربع سنوات. وقبل أن تبدأ عملها، لاعبت ابنتها ثم انصرفت إلى تنظيف الغرف بهمّة وحماسة. وبين الفينة والأخرى، كانت تعود لتفقدها، لكن من دون أن تلامسها، فزمزم، كما قالت لي، تتابع عندما يتسنى لها أخبار كورونا، وتأخذ ما أمكن من الاحتياطات لإبعاد هذا الفيروس عن وحيدتها.

لم اسأل زمزم عن اصطحابها طفلتها مروى إلى مكان عملها، فهذا سؤال غبي وسخيف، خصوصا لمن يعلم بحال عاملات التنظيف في لبنان. بعد ارتفاع سعر الدولار وهبوط قيمة الليرة تخلص الكثيرون من توظيف عاملات النظافة في منازلهم، ومنهم من فسخ العقود معهن قبل انتهائها، بينما امتنع آخرون عن تجديدها لشدّة الضائقة الاقتصادية التي اصابت السواد الأعظم من اللبنانيين، وبات القسم الأكبر من العاملات في الشارع، ولم يكن أمام من تقطّعت بهن سبل العودة إلى بلدانهن سوى العمل بالساعة والتنقل من منزل لآخر.

والأنكى من هذا، كورونا زاد الطين بلة على ما يقال، ففي فترة الإغلاق وذيوع الهلع من كوفيد 19 تحاشى الناس إدخال عاملات التنظيف إلى منازلهم، في حين غاب عن وسائل الإعلام والجهات الصحية القيام بحملات توعية وإرشادات تشرح كيفية الاستعانة بهن من دون إقفال أبواب الرزق بوجوههن.

كنت قد شاهدت إبان الموجة الأولى من كورونا برنامجا على محطة تلفزيونية اوروبية، كان تحقيقا مصورا عن استمرار عمال النظافة في باريس بتأدية أعمالهم في خضم احتدام الجائحة وكيفية مواجهتهم لأخطارها، فقد كان برنامجا لافتا لتفهم الصعوبات التي تعترض هذه الشريحة من البشر وتحفيز الآخرين على مساعدتهم بالاعتناء بنفاياتهم وعدم تعريض هؤلاء العمال لمزيد من الخطر. ومثل هذا لم يحدث في لبنان، فقد كان إعلاما أنانيا لهذه الناحية موجها للبنانيين دون غيرهم وكأنهم وحدهم معرضون لأخطار كورونا، في حين جرى الاكتفاء بعرض بعض الفعاليات الاحتجاجية للعاملات الاجانب في الشارع اعتراضا على تصرفات ارباب عملهن وعدم تجاوب سفارات بلدانهن لإعادتهن إلى أرض الوطن.

زمزم الأثيوبية التي تبلغ ال 33 عاما هي واحدة من “نحو  250 ألف عاملة منزلية مهاجرة في لبنان، معظمهن من بلدان أفريقيا وجنوب شرق آسيا. لا تشملهن حمايات قانون العمل اللبناني، بما في ذلك اشتراط حد أدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل، ويوم عطلة أسبوعي، وأجر العمل الإضافي، وحرية تكوين الجمعيات.
“يتم تنظيم وضعهن في لبنان عبر نظام الكفالة – نظام قوانين، وقواعد، وممارسات عرفية يقيّد العاملات والعمال المهاجرين – الذي يربط إقامة العاملات المهاجرات القانونية بأصحاب عملهن. لا يمكن للعاملات ترك عملهن أو تغييره بدون موافقة صاحب العمل، ما يضعهن في مواجهة خطر الاستغلال وسوء المعاملة. أما اللواتي يتركن أصحاب عملهن بدون “إذن”، فيخاطرن بخسارة إقامتهن القانونية في البلد، ويواجهن خطر الاحتجاز والترحيل.”

قدمت زمزم الى لبنان منذ 12 عاما، كان كل ما تفكر به هو تحسين معيشة ابيها واخوتها الخمسة، عملت عند رب عمل (الكفيل) في منطقة الدامور لمدة سبع سنوات، استطاعت خلالها وبتعبها ان تشتري منزلا يأوي عائلتها، وزارت بلدها ثلاث مرات، وفي زيارتها الاخيرة كانت تخطط للعودة نهائيا إلى اثيوبيا والزواج من شخص كانت قد تعرّفت إليه سابقا، فجمعت مبلغا من المال وودّعت لبنان وقفلت راجعة إلى بلدها، غير أن مفاجأة مؤلمة كانت بانتظارها هناك أطاحت بأحلامها، اذ، اكتشقت زمزم بعد عودتها ان الشريك المفترض قد تزوج من غيرها، حينها طلبت من كفيلها في لبنان ان يعيد استقدامها .

خففت غربة زمزم من صدمتها العاطفية، وساعدها على تجاوزها معاملة كفيلها (رب عملها السابق)، كانت معاملة استثنائية اتسمت بشيء من الإنسانية فتقول عنها “كانت علاقتي جيدة معه، فالمستر “جيد” هو حلم وحظ وليس لأي كان، فقد عشت مع عائلته كواحدة منها، ووافقوا على عملي الحر وزواجي واقامتي تحت كفالتهم على ان ادفع تكاليف الاقامة بنفسي”.

رغم سنواتها السيع التي قضتها في لبنان، الا ان زمزم لا تعرف منه سوى مكان إقامة ابنة شقيقتها هناك، وأثناء ترددها إليها، حدث أن تعرفت على شخص سوري يدعى ص.أ. ح. يعمل “بلّاطا” في احدى الورش، تقول عن لقاءاتها به في منزل قريبتها “كان شابا لطيفا، شعرت معه بالامان الذي كنت افتقده هنا”.

بعد مضي سنة على تواصلها ولقاءاتها مع ص. وافقت زمزم على الزواج منه، وفاتحت كفيلها بالأمر ، فوافق بناء على رغبتها وأمّن لها فرصة عمل بنصف دوام.
تقول زمزم “استأجرنا غرفة في منطقة برج حمود، اعتقدت حينها ان الدنيا قد ابتسمت لي وسأكون بمأمن مع رجل أحببته ويحبني، لكن كل هذا تبدد سريعا، وفي أقل من بضعة اشهر، بدأت الأمور تنقلب من حال إلى حال، وأخذت معاملته تتبدل معي بعد الحمل وانقطاعي عن العمل لأسباب صحية”.
وتضيف “ولدت مروى الطفلة الجميلة في مستشفى مزبود جنوب بيروت بعد ان حوّلها اليها طبيب المستوصف الذي كانت تزروه، وبعد ولادتها بأشهر سبعة طلب مني والدها، ان اعطيه شهادة ميلاد مروى وعقد زواجنا كي يذهب الى بلدته دير الزور في سوريا ليسجل ابنتهما بدائرة النفوس، كنت أعلم أن الامور سيئة بيننا، لكن لم أكن أتصور أن يذهب به الجحود بي وبابنتي إلى هذا الحد”.
أربع سنوات مضت على تللك الليلة التي ذهب فيها ص. ولم يعد، وانقطعت كل اخباره عن زمزم،  مع أنها بذلت الكثير من الجهود بحثا عنه، ليس كزوج لها فلقد استسلمت زمزم لقدرها التعس، إنما كأب لطفلة بريئة وحماية لمستقبلها.

لماذا تصرّف ص. مع ابنته بهذه الطريقة غير المتوقعة؟، هذا ما لم تفهمه زمزم، ولو كان هو من حضارة أخرى، إلا أن كلا الحضارتين تعرف مقدار الألم والإهانة الذي ستلحق بمروى فيما لو بقيت بدون أوراق ثبوتية وبلا أب، وهنا، لم تجد زمزم بدّا من اللجوء للطبيب الذي أشرف على ولادتها ويزاول مهنته تحت القسم، فطلبت منه متوسلة إعطاءها وثيقة ولادة عوضا عن الوثيقة التي استولى عليها زوجها واختفى، لكنها صُدمت برفض هذا الطبيب لطلبها الذي اشترط عليها الإتيان بورقة من الأمن العالم لينظر ما إذا كان سيعطيها الوثيقة أم لا. والأسوا أن الطبيب أخذ يؤنب زمزم كيف تزوجت “إنت أتيت إلى لبنان لتنظفي وليس لإنجاب الأطفال”.

تقيم زمزم ظاهرا الآن في حارة حريك بالضاحية الجنوبية تتقاسم مسكنا متواضعا مع صديقة من بنات وطنها، لكنها لا تشعر بالاستقرار والطمأنينة، فهي تقيم فعليا على هموم لا حصر لها، قلق من أن تبقى مروى بدون أوراق ثبوتية، وخشية متصاعدة على هذه الطفلة من الإصابة بفيروس كورونا لكثرة تنقل الأم من منزل لآخر وطبيعة عملها، وتضاؤل فرص العمل مع انحدار الأوضاع المعيشية للبنانيين بفعل الأزمة الاقتصادية وكورونا.

زمزم ما زالت تعمل في تنظيف البيوت وتتقاضى اجرها على عدد الساعات التي تقضيها في خدمة المنزل ,تقول زمزم بشيء من الانكسار والمرارة “لم يكن نصيبي في الحياة على قدر ما أحلم به، مع أنها أحلام صغيرة وعادية، لكن لا ذنب لطفلة أن تقاسمني أعباء عملي وأخطاره، ففي الكثير من الايام اضطر إلى إيقاظها من نومها كي احملها معي الى حيث اكون. بعض من اصحاب المنازل لا يوافق على وجودها، عندها ألجأ إلى أن اودعها عند قريبتي، فمدخول تعبي ضئيل وفي تراجع، ولا استطيع تحمل كلفة الحضانة، فما اجنيه بالكاد يكفي للايجار والطعام الذي لا نجده احيانا”.

ما لفتني في زمزم، إحاطة هذه السيدة بمأساتها، فهي تدرك أن اللبناني لم يعد لديه ترف التعاطف مع الضعفاء نظراً لتدهور أحواله، ومن دون أن تنبس بكلمة، لا رهان لدى زمزم على الدولة المضيفة حتى في تطبيق القوانين التي تحمي أمثالها، فهناك بحسب الإحصاءات 4 أو 5 آلاف عاملة منزلية أجنبية في الشارع، لا بل في مهب الفقر والجوع والأمراض.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق