رصد

القوات اللبنانية الطريق إلى بعبدا .. “لا يموت الديب ولا يفنى الغنم” !!
خالد صالح

 

خلف كل موقف من مواقف ” القوات اللبنانية ” غاية، وباعتقادهم دائمًا أن ” الغاية تبرر الوسيلة “، ولعل ازدواجية مواقفها أظهرها وكأنها تصارع ” طواحين الهواء “، فهي تهاجم حزب الله بشراسة وقنواتها مفتوحة عليه، وترى في اتفاق معراب ” الاتفاق المطعون ” لكنها مصرّة على التمسك به، تدافع عن الميثاقية ” متى هبّت رياحها لصالح مشروعها، وتعتبرها هرطقة دستورية عندما تعاكس تطلعاتها، هذه الازدواجية لها أسبابها المباشرة ويختصرها السؤال : كيف السبيل إلى قصر بعبدا ؟

خلال معركة الرئاسة الماضية ما بين عامي 2014 و 2016، وبعد ما يزيد عن 48 جلسة دعا لها الرئيس بري، أدركت القوات اللبنانية مكمن الخلل أو بصورة أدق نقطة ضعفها، ” التمثيل المسيحي “، وهي النقطة نفسها التي كانت مكمن قوة التيار الوطني الحر في الرحلة نحو قصر بعبدا، إيصال الرئيس الأقوى مسيحيًا، من هنا بدأت استراتيجية القوات بالعمل للوصول إلى حيازة التمثيل المسيحي الأكبر في المجلس النيابي، ونيل لقب الممثل المسيحي الأقوى لفرض مرشحها للرئاسة، تحت غطاء الرئيس الأقوى في طائفته ..

تدرك القوات اللبنانية عمق الشارع اللبناني وانقساماته، وتقرأ حيثياته بدقة، فهي تعلم أن الشارعين (الشيعي والدرزي) مقفلان في وجهها، ولا يمكنها إحداث أي خرقٍ يُذكر فيهما، لذلك بدأ الرهان ينصبّ على الشارعين المتبقيين (المسيحي والسني)، الأول من خلال التصويب على فشل العهد في تحقيق الاصلاحات التي نصّ عليها اتفاق معراب، والثاني من خلال التصويب على الرئيس سعد الحريري بصفته الممثل الأكبر للطائفة السنية، بشكل متماهٍ عن مواقفه وبث الشائعات عنه بالتنازل والتفريط بالرئاسة الثالثة وصلاحياتها ..

فيما يتعلّق بما ورد في اتفاق معراب وما قاله الدكتور سمير جعجع في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، من أن الاتفاق كان وجدانيًا تصالحيًا طوى صفحة دامية ومريرة، كان يخاطب الشارع المسيحي أن وحدتنا المسيحية تتقدم على المصالح، فهو يدرك أي حالٍ مذرية بلغها التيار الوطني الحر، وأن الانقسامات التي تضرب أساساته الشعبية بلغت مرحلة ” التفتت “، لذلك التعويل على التغيير في المزاج المسيحي خلال الانتخابات المقبلة اصبح كبيرًا، وقد تؤدي إلى إنتقال الريادة من التيار الوطني إلى القوات اللبنانية ..

أما فيما يتعلّق بالشارع السني، فهو يعمل على مخاطبة ” وجدان ” هذا الشارع، من خلال التمسك بعناوين تدغدغ مشاعره، في مقدمها السلاح غير الشرعي، وهيمنة حزب الله على السيادة والتبعية للمشروع الإيراني، ومكافحة الفساد، والرهان على حراك 17 تشرين، وصولًا إلى التصويب المباشر (بقرار داخلي أو بتعليمات خارجية) على الحريري، وآخرها اللعب على العواطف من خلال تسمية ” نواف سلام ” لتشكيل الحكومة، رغم معرفتهم المسبقة باستحالة وصوله، فقط للإيحاء أنهم على توازٍ مباشر مع نبض الشارع السني، وأن هذا الشارع “المترنح” سيسلّم بهم كقيادة ويعطيهم الغطاء الشعبي لرفع قدرتهم التمثيلية لفرض واقع جديد على الشارع المسيحي ..

تتمسك القوات اللبنانية بإجراء انتخابات نيابية مبكرة وفق القانون الحالي، ويعارضون بقوة البحث في أي قانون آخر، وهذا ما لمّح إليه جعجع من خلال الحديث عن ” الدولة المدنية “، إذا مع تبدّل المعطيات والمزاج الشعبي عقب حراك 17 تشرين، سيؤمن لهم وفق قراءتهم ما يقارب الـ 25 مقعدًا في المجلس الجديد، ومع حفاظهم بالحدّ الأدنى على مفاعيل اتفاق معراب ” الوجدانية والتصالحية” وعلى قاعدة ” الدنيا قرضة ووفا ” يحقّ لهم تحت حجة المسيحي الأقوى أن يطالبوا التيار الوطني الحر بتأييد مرشحهم، والوصول للغاية التي يعملون من أجلها ..

أما في المقلب الآخر لجهة الثنائي (امل وحزب الله) والاشتراكي، فقنوات القوات لم تنقطع مع عين التينة جهرًا ومع الحزب بـ ” الواسطة “، وتحت مندرجات ” مصالحة الجبل ” تحافظ على علاقتها مع الاشتراكي، وأجرت مصالحة ” تاريخية ” حسب زعمهم مع سليمان فرنجية، وبالتالي تظل النقطة الأهم في مسيرة مشروعهم ” الأقوى مسيحيًا “، لأنه إن تحققت ” استراتيجية العدد “، يصبح بمقدورهم المناورة وقطع الطريق على أي مرشح آخر، مستخدمين سلاح ” الميثاقية ” في الوقت المناسب ..

لم يأت ” اتفاق معراب ” من فراغ، وهو الذي استهلك من ملحم رياشي وإبراهيم كنعان قرابة السنة ونيف قبل إعلانه، لأنه من وجهة نظر القوات اللبنانية يشكل خارطة الطريق نحو قصر بعبدا، ويجهدون لتنفيذ الخطوات المرسومة بدقّة، ولهذه الغاية مازالوا متمسكين بمفاعيله ولم ينسفوه بالكامل رغم انتقاداتهم العنيفة لشريكهم فيه، ويصوبون باستمرار نحو الحريري، فالغاية تبرر الوسيلة، لأن سياستهم الحالية مبنية على قاعد ” المد والجزر ” أو بصورة أوضح ” لا يموت الديب ولا يفنى الغنم ” ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق