قضايا ومتابعات

كتاب اعتذار ” افتراضي ” لمصطفى أديب .. ماذا يمكن أن يقول ؟
خالد صالح

أيها اللبنانيون :

كنتُ آليت على نفسي ألا أخاطبكم إلا من خلال بيان تشكيل حكومة تلبي تطلعاتكم، وتفتح في جدار الأزمة ثقبًا صغيرًا ينفذ منه ضوء الأمل بالخروج من أزماتنا المستعصية، تمسكتُ بروحية الإيمان والتوكل على الله، وقلت في نفسي ” سأستعين على قضاء حوائجي بالكتمان “، لكن الأمر بلغ منتهاه، وبلغ السيل الزبى، وآن الأوان لمكاشفتكم بكل صدق، فمن حقكم عليّ أن تعرفوا الأسباب التي وقفت في طريق أمالكم وأحلامكم ..

سأخاطبكم بروحية القلب المقبوض وجلًا على مصير وطنه، وبالعقل المرتجف رعبًا على الهاوية السحيقة التي تنتظرنا، سأكاشفكم بالحقيقة التي لمستها خلال الأسبوعين الماضيين منذ تكليفي لتشكيل الحكومة، الحقيقة التي يواربونها ويُحرّفونها، لا يريدون التخلّي عن ذهنية الاستئثار بكل شيء، فلا أحد يريد انتشال البلاد من مستنقع الوحول التي تغرق فيه، بل همهم المحافظة على مكاسبهم ومغانمهم وكأنهم عائدون للتو من فتح عظيم ..

منذ اللحظة الأولى قرأت الأمور من المنظار الايجابي، الرقم الذي حصلت عليه في الاستشارات زاد من ثقل المسؤولية، الرعاية الدولية للبنان ما بعد فاجعة المرفأ، المبادرة الفرنسية ومضمونها، الواقع المذري اقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا وصحيًا، التبدلات الاقليمية والدولية والمتسارعة بشكل مخيف، كنت أرى الحقبة السوداء التي يمر بها وطننا، وأعرف ما الذي ينتظرني من مهمات جبارة قد تصل لحدود ” الانتحارية “، لكن إيماني بالله أولا وبكم كشعبٍ حي لم تُحبط عزيمته رياح الأزمات، شدّا من أزري للمضي قدمًا من دون الالتفات للكثير من المغريات و .. الحرتقات !!

أيها اللبنانيون :

هالني إصرارُ البعض على أن يبقى هذا البلد المفجوع، ساحة رسائل وصراع الأخرين، بغض النظر عن الشعارات التي ترفع هنا وهناك، وأدهشتني كمية ” النفاق ” السياسي الذي تمارسه فئة من المسؤولين الذين رموا خلف ظهرانيهم أوجاع اللبنانيين ووضعوا نصب أعينهم تقاسم الحصص، وكأنه لا بلد ينهار أمامهم، ولا شعب يموت جوعًا وقهرًا، شعبٌ ارتضاهم منتخبين ليكونوا ممثلين عنه، فضربوا بعرض الحائط أحلامه وآماله في وطن تتعزز فيه انسانيتهم ويبنون المستقبل اللائق لهم ولأولادهم ..

لا يختلف اثنان على حجم التحديات الداخلية والخارجية التي تحيق بلبنان، غير أن التحدّي الرئيسي الماثل أمامنا جميعا، يتعلق بكيفية مواجهة تلك التحديات، وبالمقومات الوطنية المطلوبة، لدفع المخاطر الماثلة عن وطننا، فمواجهة التحديات، أي تحديات كانت لا يمكن أن تستقيم إلا من خلال حكومة متراصّة مستقلة وذات كفاءة مهنية عالية، تلبي مطالب الناس وتحاكي طموحات اللبنانيين وإرادتهم وثقتهم بدولتهم وحكومتهم، وهي الأهداف التي ما زلت أرى، أنها تشكل المنطلق السليم لحكومة تتولى مسؤولية الشأن العام، وتؤكد على التزام الثوابت الوطنية للبنان، ولا تخل بعوامل الثقة مع المواطنين ..

لقد حاولت قصارى جهدي في الأسبوعين الماضيين من الالتزام بالدستور نصًّا وروحًا، ومارست حقي الدستوري في تشكيل الحكومة التي أراها مناسبة لي كفريق عمل، وتشاورت مع فخامة رئيس البلاء (بالهمزة بدلًا من الدال عمدًا) وأخبرته أنني عاقد العزم على هذا المسار، ولن أتراجع قيد أنملة وإلا فإنني مضطر لمكاشفة اللبنانيين عن حقيقة من يؤخر ولادة حكومتهم المنتظرة، لم يبالِ فخامته وأصر على التواصل مع ” صهره ” الميمون، الأمر الذي أرفضه تمامًا، فمهما علا شأن هذا الصهر، فهو ليس أكثر من ” وزير سابق ” ورئيس كتلة نيابية، والحق الوحيد الذي يملكه هو منح حكومتي الثقة أو حجبها في جلسات مناقشة البيان الوزاري، ولن أقدّم له عرفًا جديدًا يضاف إلى سلسلة الأعراف التي ضربت الدستور واتفاق الطائف ..

وعندما عرضت مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية، قفزت من جديد قضية ” الميثاقية “، فاستغربت شديد الاستغراب، لهذا المصطلح البرّاق، يضعونه على الرف متى أرادوا، ويشهرونه متى احتاجوه، فتمسكت به، بأن ميثاقية التأليف حصرًا لي، وستكون الحقيبة المناسبة للشخص الذي أراه مناسبا لها في خضم هذه المرحلة، وأريد أن أعيد بناء جسور الثقة بين اللبنانيين وحكومتهم، وأعيد للدستور شيئًا من هيبته المفقودة، لكن وكما يقول المثل العربي الدارج ” الجمل بـ نية والجمّال بـ نية ” ..

أيها اللبنانيون :

لا تصدقوهم فهم يعرقلون بأساليبهم لا بنصوص الدستور، يخلقون أعراف نمطية تجعل الحليم حيرانا، ولما كانت هذه الأهداف قد اصطدمت بوقائع سياسية معروفة، وبعد المناقشات التي أجريتها مع فخامة رئيس الجمهورية ومع دولة رئيس مجلس النواب، وجدت من المناسب أن أتقدم بإعلان الاعتذار عن تكليفي لتشكيل الحكومة، متمنيا أن تسفر الاستشارات النيابية الملزمة لفخامة الرئيس مع السادة النواب، عن تكليف رئيس جديد لتشكيل حكومة تعمل لمصلحة لبنان وتعبر عن طموحات شعبه ..

وبهذه المناسبة أستعيد تلك الكلمات الخالدة التي قالها شهيد لبنان الكبير الرئيس رفيق الحريري ” إنني أستودع الله سبحانه وتعالى، هذا البلد الحبيب لبنان، وشعبه الطيب، وأعبر من كل جوارحي عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي خلال الفترة الماضية ” وأردف وأقول : سيشهد التاريخ أن فئة من المسؤولين أضاعوا البوصلة فأضاعوا البلد ..

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق