قضايا ومتابعات

المبادرة الفرنسية في ” الثلاجة ” أم فوق ” صفيح ساخن ” ؟
ميرنا دلول

مناطق نت – البقاع الأوسط

مازال الرهان قائمًا على إحداث خرق ما في المواقف المتصلبة في عملية تأليف الحكومة، ولا يزال ” الكباش ” حول وزارة المالية ضاغطًا على كافة الأطراف، وسط تأويلات مختلفة لهذا ” العناد ” المتبادل، خصوصًا مع دخول الرئيس سعد الحريري على خط التشدد في موقف لافت فاجأ الكثيرين وأولهم الرئيس نبيه بري ..

المشهد اللبناني بدا وكأنه ” حلبة ملاكمة ” لكنها المباراة لم تبدأ بعد !! فالوضع القائم هو بداية ” شد الأحزمة ” قبل المنازلة الأخيرة، وخارج سرب المواجهة السياسية، يتصرف الرئيس المكلف من موقع ” ماتزال الرصاصة في جيبي “، فهو الممسك بمرسوم التكليف والمتمسك بالورقة الفرنسية، ومرتاح لتصرف ماكرون بتمديد المهلة أيامًا إضافية، فالخروج من عنق الزجاجة يتطلب ترشيقًا للمواقف بعيدًا عن أي مواجهات تؤجج الأزمة المحشوة بجميع أنواع ” المتفجرات السياسية ” ..

حتى اللحظة ” محركات ” ماكرون لم تنطفىء والمعلومات الواردة من خلية الأزمة اللبنانية التي شكلها، تؤكد أن الرئيس الفرنسي وضع ” مصداقيته السياسية ” في الميزان، ولا يريد أن يظهر بصورة ” الضعيف ” الذي وضع ” البيض كله في سلة واحدة ” من خلال المراهنة على تأليف ” حكومة مهمات “، بحيث باتت هذه المصداقية على المحك، وليس بوارد التخلّي عنها، وسيكمل مساعيه لتشكيل حكومة مستقلة عن الأحزاب تقنية ومستقلة وبعيدة عن المحاصصة، من أجل تنفيذ برنامج اقتصادي – مالي – اجتماعي وضعت باريس مسودته، ليأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب اللبناني وما تتمسك به ” مجموعة دعم لبنان ” و ” صندوق النقد الدولي ” والمؤسسات المالية الدولية التي سيكون لها دور كبير في إخراج لبنان من مأزقه ..

أوساط واسعة الاطلاع رأت أن العقبات التي ظهرت في طريق تشكيل الحكومة، سواء تمسك الثنائي (أمل وحزب الله) بحقيبة المال من باب ميثاقية التوقيع الثالث، أو لرغبة رئيس الجمهورية بوضع بصماته في التشكيلة أو شكل الحكومة، أجهضت مبادرة ماكرون رغم الدينامية التي أظهرتها، ودفعت أطراف سياسية بارزة لتأكيد عدم مشاركتها في الحكومة، فتاه الرئيس الفرنسي في دهاليز السياسة اللبنانية وفي تعقيدات الظروف الإقليمية، فوجد نفسه في موقف حرج للغاية وتحديدًا في صراعه المفتوح مع طهران ..

ورأت الأوساط، أن الجميع ” صعدوا إلى الشجرة “، وينتظرون سقوط أحدهم لتمهيد الطريق لهم بالنزول، وسط أجواء توحي أن المبادرة الفرنسية وضعت في ” الثلاجة ” بانتظار معجزة ما تؤول إلى تليين المواقف قبل ” العصا الأميركية ” المتمثلة بغضب كبير قد يؤدي إلى إعلان وفاتها ونعيها نهائيا، من هنا كان تمديد المهلة نافذة أمل لتشكيل الحكومة التي تريدها فرنسا، للخروج من ” الورطة ” التي رأت نفسها محشورة فيها على الصعيد اللبناني، وتعيد ماكرون لصعود ” التلة ” لرؤية الواقع الجيوسياسي المعقد جدًا الذي يتحكم بالمنطقة ..

من ناحية أخرى، أكدت مصادر مقرّبة أن روحية المبادرة الفرنسية مبنية على ” تباعد ” منطقي بين البعد السياسي الاقليمي للأزمة اللبنانية والبعد الاقتصادي – الاجتماعي من خلال نجدة بيروت قبل السقوط الأخير في هاوية الانهيار الخطير، لهذا تظهر المفاصل الثلاثة التي تتحكم بالملف اللبناني على رقعة الشطرنج الاقليمية :

أولًا : مقاربة واشنطن للملف اللبناني من حلبة الصراع المفتوح مع إيران وأذرعها وتحديدًا ” حزب الله “، وقد عبّر عنه وزير الخارجية الأميركية بومبيو بكل صراحة، بما يمثل صفعة لمبادرة ماكرون، الذي بادر سريعًا لتأمينها من أي رضوخ لشروط الحزب، بما يتيح له الفرصة لإعادة السخونة إليها على أنها ” الفرصة الذهبية والأخيرة ” للبنان، وإبرازه بالقادر على لعب الدور الأول في الشرق الأوسط من الباب اللبناني، قبل ” النعي الأخير ” في حال فشلت كل الجهود ..

ثانيا : لا يمكن فصل الانطلاقة الفرنسية نحو بيروت والتي أعقبت تفجير المرفأ عن حاجتها الكبرى في العودة إلى شرق المتوسط، خصوصا إزاء الظهور التركي المتنامي، وأي فصل بين المسارين هو بمثابة ” هزيمة سياسية ” لماكرون شخصيًا، ومن شأنه تهاوي الجسر الذي تبنيه باريس بين حلبة الصراع وينابيع الغاز في المنطقة ..

ثالثا : التعاطي الايراني مع الساحة اللبنانية من زاوية الصراع المفتوح مع واشنطن، خصوصا مع تبدّل قواعد اللعبة الذي فرضه التطور الجديد المتمثل باتفاقيات السلام مع العدو الاسرائيلي والذي أدّى في الوقت الحالي إلى وضع ” القضية الفلسطينية ” على الرف، وما سيؤديه هذا من تحوّلات جيوسياسية – استراتيجية في المنطقة في الطريق نحو ردع إيران من استخدامها الساحات العربية لتعميم مشروعها ..

ووفق ما نلمسه من تبدلات، وتحديدا في العراق، فإن المشهدية في لبنان لا تحتمل أي تهاون أو تراخي من جميع الأطراف، لأن التحكم بـ ” مفاتيح السيطرة ” سيكون له ارتدادات ايجابية على المتحكّم، من هنا فإن إيران وعبر ” حزب الله ” ليست بوارد تقديم ” جوائز ترضية ” على حساب دورها، لاسيما وأن الأميركي يتربّص لتقويض نفوذ الحزب في لبنان، وهذا رسالة مباشرة لها، من هنا كان ” كباش ” الساعات الأخيرة لحسم موضوع الحكومة على قاعد ” تكون أو لا تكون “، في وقت تنتظر واشنطن انهيار المبادرة الفرنسية متمثلة باعتذار الرئيس المكلف للدخول على خط التصعيد المباشر من خلال جملة تدابير قد تتخذها وفي مقدمها حزمة جديدة من العقوبات القاسية وقد تطاول هذه المرة أسماء بارزة من قيادي الصف الأول ..

منذ بداية المبادرة الفرنسية استخدم ماكرون سياسية الترهيب والترغيب، فهو وعد بتنظيم مؤتمر عالمي لنجدة لبنان، لكن على اللبنانيين مساعدة أنفسهم أولا، لذلك قدّم ماكرون ورقته ومصداقيته السياسية وطالب المسؤولين بالالتزام ملوّحا بسيف عقوبات أوروبية هو الآخر، في صورة وضعتنا أمام أسئلة مفصلية : هل يكفي التلويح بالعقوبات إلى ليّ ” ذراع المعارضين ” أم أنها ستفضي إلى قاعدة ” أنا الغريق وما خوفي من البلل “؟، وهل باتت المبادرة الفرنسية في الثلاجة أم أنها ما تزال على حماوتها فوق صفيح السياسة اللبنانية ؟ ..

 

.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق