قضايا ومتابعات

معابر تهريب العرائس من سوريا إلى لبنان.. ازدحام في زمن الكورونا!
قمر غصن

خمس سنوات مرّت على ذلك اليوم، لكن بالرغم من ذلك فإن ابتهاج إبنة الثانية والعشرين عاماً لا زالت تذكره بكل تفاصيله. تزوجت ابتهاج في العام 2014 وانتقلت ابنة الخامسة عشر عاماً للعيش بمنزل زوجها في ريف حلب. لم يمضِ شهور قليلة على زواجها حتى سافر زوجها إلى لبنان بعد إن تهدّم منزلهم واضطروا للنزوح إلى منزل عائلة الزوج الكبيرة الذي بات خطراً بعد اندلاع معارك قريبة منه وتصدعه جراء القصف. بعد ولادتها لطفلتها قرّر زوجها أن يأتي بعائلته إلى حيث يقطن في منطقة البقاع اللبنانية.

تقول ابتهاج: انطلق بنا الباص من مدينتا بعد ان حزمت امتعتي، حيث كنت برفقة شقيق زوجي وزوجته وأطفاله. تأكدنا أن المال الذي سوف ندفعه للرجل عندما تنتهي رحلتنا جاهز في الحقيبة، ”مئة دولار على كل رأس” كما اتفق المهرب مع زوجي.

وصلنا إلى المكبات بعد الأمانة السورية، كنا 20 شخصا تقريبا نزلنا لنركب بعدها الباص الذي سيقلنا. هناك حيث نقطة اللقاء كان الكثير ينتظرون لكن ثلاث رجال قالوا لنا أن ننزل من الباص وننتظر إلى أن يحل الظلام، لم أفهم حينها لماذا علينا أن ننتظر ثلاث ساعات ليحل الظلام ولم أسأل حيث الجواب جاءنا قبل أن ننطق، فصاح أحد المهربين شاهراً سلاحه في وجهنا “اللي بيطلّع صوت بقوصو”.

مع ظهور حمرة الشمس انطلقنا نحو الجبال، لا أحد يعلم أين نحن ذاهبون. الظلام يتحوّل إلى حالك كلما تقدم بنا الليل. نسرع الخطوات في طرقات الجبل الوعرة، فلا نستطيع التأخر وإلا تركونا وأكملوا الطريق دون أن يلتفت لنا أحد. لم يشفعوا لبكاء طفلتي الرضيعة وأجبروني أن أعطيها الدواء المنوم الذي أتى به أحدهم كي لا يسمع صوت بكائها، ولم يسمحوا لزوجة شقيق زوجي أن تتوقف إلا لثوانٍ كي تنهض ابنتها التي وقعت وبقي الدم يغطي وجهها بعد أن منعوا أمها من الوقوف لرؤية ما حل بابنتها.

لا مياه، لا طعام، ولا حتى استراحة صغيرة. بدأ الفجر بالظهور، لقد تخدّرت يداي ولم أعد أشعر بأسفل ظهري ولا زلنا نمشي بالسرعة نفسها. حولي 200 شخص يتقدمنا أحد المهربين ويمشي آخر خلفنا والأخير يتوسطنا ويهدد من يتأخر بسلاحه. هل هناك أحد لا يخاف السلاح؟

تضيف ابتهاج: ما إن وصلنا إلى الطريق السريع أمرنا الرجال الثلاثة بالانتظار ريثما تأتي الباصات لتقلّنا إلى المكان المتفق عليه، وما هي إلا دقائق حتى ظهر عدد من الباصات، لكنها لم تكن كافية لتقل 200 شخص، فركب من استطاع واختفى المهربون الذين كانوا معنا. بقينا ننتظر الباصات الأخرى لكن المفاجأة كانت عندما شاهدنا سيارتان تابعتان للأمن تتجه صوبنا. ترجل رجال الأمن وجرونا إلى الشاحنة وبعدها إلى المخفر ومن ثم إلى نقطة الحدود اللبنانية، بعد انتظار النساء والاطفال في الخارج أدخلوا الرجال الى المخفر. وانتظرنا هناك إلى ما بعد العصر. لم يكفي أنه لا يوجد شيء نتظلل به من أشعة الشمس، فقد بقينا من دون طعام أو شراب، وكل ذلك مترافقاً مع وابل من الاهانات والشتائم التي لم تنقطع. لم نستطع أن نسأل الرجال ماذا حل بهم في الداخل فما أن خرجوا حتى صاح بنا العساكر بأن يمشي الجميع باتجاه المقلب السوري لنعود أدارجنا من دون أن يسمع صوت.

مشينا تقول ابتهاج حتى وصلنا إلى تلك الحاويات حيث أخذونا في المرة الاولى، وما أن اقتربنا حتى شاهدنا أحد المهربين يقف في نصف الطريق شاهراً سلاحه يصرخ بنا أن نتوقف ويشير بيده نحو الجبل. لم يوافق الجميع على اقتراح الرجل وقرروا العودة وعدم متابعة رحلة الموت هذه. لكن المهربين رفضوا ذلك بعنف وهددوا من يتابع سيره باتجاه الحدودالسورية بالرصاص، لأن ذلك يعني أنهم لن يحصلو على أموالهم، فالإتفاق يقوم على تسليم الأموال عند تسليم الاشخاص. وعدونا برحلة قصيرة ومختصرة لا تتخطى الساعتين، وتحت تهديد السلاح والشتائم استسلمنا للعودة. لم أعد أستطيع السير. لم أعد أقوى على حمل ابنتي، كل ما تمنيته في تلك اللحظة أن تنجو هذه الصغيرة. بدأنا الرحلة من جديد نحو الطريق الأقصر والأخطر، بحيث تعرضنا لرصاص القوى الأمنية، الأمر الذي اضطرنا إلى أن نزحف في بعض الأحيان، وبالفعل ما هي إلا ثلث ساعة حتى وصلنا إلى منزل في الجبل انتظرنا به حتى أقلتنا الباصات، حيث أودعنا في منطقة خالية من المارة والسيارات داخل الحدود اللبنانية.

لا أدري ماذا حلّ بالباقين لم يتكلم أحدنا مع الآخر حتى بتنا لا نبالي بمصير بعضنا. بعد أن أتى صديق العائلة وأقلنا من تلك النقطة بقيت أسبوع طريحة الفراش إلى أن استطعت الوقوف مرة أخرى، “نحن نجونا لكن الكثيرين ماتوا وتُركو واغتصبوا”.

تعرضت الكثير من الفتيات والنساء للتحرش أو الاغتصاب خلال رحلات التهريب على مدى السنوات الماضية، ومنهن من فقدت حياتها، فبات الأهل أكثر حذراً عندما يرسلون بناتهن. لم تعد ترسل الفتيات وحدها من دون مرافق وفي الغالب يكون المرافق والدة الفتاة، بحيث وكما وصفت ابتهاج الوضع أنه موسم تهريب العرائس.

أمل شابة العشرين ربيعاً من محافظة حلب كانت ضمن مواسم الأعراس تلك.

المفارقة الغريبة التي تحصل هي بين إجراءات وزير الداخلية وبيانات وزارة الصحة من جهة، وبين ما يجري على الحدود اللبنانية السورية وفي مخيمات النازحين من جهة أخرى، والمفارقة في الموضوع أن قرارات وزير الداخلية الرامية إلى التشدد في الإجراءات المتخذة من أجل الحد من تفشي جائحة كورونا لا تجد لها آذاناً صاغية في أسماع المهربين على الحدود، وهم لم يسمعوا شيئاً عن تقارير وبيانات وزارة الصحة التي تفيد عن ارتفاع يومي في أعداد المصابين بكورونا.

وبينما كنت أقرأ قرارات وبيانات الوزارتين تجلس أمل أمامي بثوبها الأحمر الطويل، تنظر إلى الزواية بخجل ثم تعيد نظرها لي وتجيبني، أعتقد أني سأموت هناك، كنت خائفة على أمي كثيراً لم يخبرني أحد أني سأمشي هذا كله بين الجبال في الظلام وتحت وطأة السلاح، كل ما اعتقدته وأنا أغلق باب سيارة الأجرة التي حملتني من الخراب أني ذاهبة حيث الأحلام التي رسمتها لزواجي.

حدد موعد زواج أمل في 4 آب 2020، في ذلك المخيم الذي يقع على أطراف إحدى البلدات البقاعية. التقيت بأمل بعد وصولها الى لبنان ببضعة ساعات كانت تنتظر عند اقربائها الذين نصحوها “بالعريس” ريثما تكمل أمها دورها في تفقد الخيمة والشخص الذي سيعيش مع ابنتها إلى آخر العمر.

قدمت إلى لبنان لكي أتزوج، لقد قالوا لأبي أن الرجل جيد وشغيل وأنا أريد أن أزيح العبء عن كاهل أهلي. بعد أن سلمنا المهرب الأول إلى الثاني أخذ يصرخ الأخير بأن نسرع وأن نخفي أنفسنا، كانت عيونه تشع غضباً رغم أن نصف وجهه مغطى بتلك الكمامة. مشيت ساعات وأنا أسند أمي وأحمل حقائب جهازي العرائسي على ظهري حتى وقعت من التعب. صرخ بي المهرب أن أقف وإلا تركوني أنا وأمي ومشوا. لم أعد أقوى على حمل المزيد والسير، لكن بعد الكثير من التوسل للمهرب كي يحمل عني بعض الأغراض، عرض علي أحد الشباب الهاربين معنا خدماته مقابل 30 ألف ليرة سوري.

لم يكن معي كامل المبلغ، لذلك أعطيت الشاب كل ما حصلت عليه لقاء مهري، واتفقت معه على أن أسدد له المبلغ المتبقي فور وصولي، لكن لم يمضِ نصف ساعة حتى رمى لي الحقائب بوجهي وقال لي «تعبت» ومشى. لم أستطع حتى أن أعترض! لمن سأشتكي؟ فالأمر الأول الذي أبلغنا به المهربون هو أن نكتم أنفاسنا! أكملنا مسيرتنا حتى وصلنا إلى منزل في وادي خالد وعندها سلّمنا إلى شخص آخر.

افترشنا الأرض كي نرتاح قليلاً، لكن المكان كان مليئاً، لقد وضعوا أكثر من ثمانين شخصاً في غرفتين صغيرتين وتركونا ننتظر لأكثر من ساعتين أتى بعدها الباص الذي حملني إلى هنا.

لم يتغير الكثير منذ سنوات. من رحلة ابتهاج إلى أمل، الفارق البارز كان زيادة التعرفة للتهريب من 150 ألف ليرة لبنانية إلى 150ً0000 مليون وخمسماية ألف وذلك لضمان الخدمة بأحقر الطرق وابعدها عن حقوق الانسان وأيضا ازدياد الخطر عليهم بسبب جائحة كوفيد 19.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق