قضايا ومتابعات

“حروب” العائلات في بعلبك..فائض الفوضى لمصلحة من؟
علي غصن

مفارقات كثيرة تتطاير من الحدث البعلبكي بعد قيام شبان من آل جعفر بقتل شاب من آل شمص منذ 5 ايام على خلفية حادثة قتل سابقة في 2017 كان ضحيتها شاب آخر من آل جعفر.

الأولى، سبق أن وقع أكثر من احتكاك عائلي في المنطقة وأسفر بعضها عن سقوط قتلى وجرحى، لكن لم تشهد مثل هذا الاستنفار العشائري ولم تصل إلى تخوم تهديد السلم الأهلي فيها وتقويض تعايش عائلاتها، وكان اللافت في الحدث الحالي، هو إظهار كل من عائلتي شمص وجعفر الاستعداد للذهاب لحرب شاملة بينهما لن تنحصر بقاعا فقط، إنما ستتمدد إلى العاصمة نفسها نظرا لتواجد أبناء العائلتين في ضواحي وأحياء بيروت.

مع ذلك، كان هناك استبعاد أن توضع تهديدات الطرفين موضع التنفيذ، لأسباب موضوعية، ومنها أو في مقدمها تمويل هذا النوع من الحروب وما ينجم عنها في ظل هذه الضائقة الاقتصادية والصحية التي تمر بها البلاد، ولا اعتقد أن أحدا من رأسماليي (وهم قلّة) يقبل أن يغامر في توظيف أمواله في مثل هذا المشروع المدمر والمنفتح على خسائر ليس بالإمكان رسم حدود لها. حيث أن التمويل لن يقتصر على التسليح والذخائر والتموين والنقل فقط، إنما يمتد إلى مداواة جروح ما بعد الحرب، لجهة الديات والعلاج وغيرها وهذه باهظة التكاليف.

أضف أن الجميع يعرف أن تداعيات مثل هذه الحرب ستطاول مصالح أبناء العائلتين المنتشرة في أكثر من مكان والمتداخلة فيما بينها، فكلها سيّصاب بالتعطيل أو الإقفال أو المقاطعة ومن دون أي تعويضات حتى لو حطت الحرب المفترضة أوزارها. ففي الماضي كانت تقع مثل هذه الحروب، وكانت أضرراها أقل بكثير، عندما كانت العشيرة أو العائلة تشكل وحدة شبه مستقلة تضم في حيّزها الجغرافي السكن والمصلحة وبخلاف الحاضر، حيث تنوع المصالح وانتشارها أضعف تجانس العشيرة وحدّ من خياراتها الحربية.

إذن ينطرح سؤال، من يملك قدرة التمويل؟ والجواب محصور بين مافيات الجريمة وأحزاب السلطة، فهل هناك مصلحة ظاهرة للأولى وخفية للثانية؟ ثم لماذا كانت هذه التعبئة العائلية التي لا مثيل لها في المنطقة منذ زمن بعيد، ولماذا هذه التحضيرات والاستعدادات والاستعرضات؟ هل هي جزء من لعبة حروب العائلات؟ أو هي الحرب البديلة كما توحي سجالات وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم أن هناك سياسة ما فوق المنطقة، باعتبار لبنان كله موضوع تحت المجهر الدولي، وما يدور فيه من أحداث أمنية هو موضع مراقبة، وعلى ضوء تقييمها ستتم إعادة تركيب السلطة فيه، وستصاغ مشاريع انتشار قوات دولية لضبط حدوده مع سوريا؟

الثانية، هو القرار القضائي بإطلاق سراح أحد المتهمين بحادثة ال 2017، والذي كان بمثابة فتيل التفجير الأخير بين العائلتين، وهنا يمكن طرح سؤال ما إذا كانت المحكمة أو القاضي الذي أصدر الحكم، أخذت أو أخذ الأبعاد الأمنية لقراره، علما أنها هي أو هو الأكثر إطلاعا على هذه الأبعاد ويمكنها أو يمكنه استخلاصها من مجريات القضية المطروحة أمامها أو أمامه؟ كما المفترض أن تكون الأجهزة الأمنية ملمّة بما سينجم عن القرار القضائي، فماذا عن التنسيق بين هاتين السلطتين؟ وهنا لا يمكن التذرع باستقلالية كل من المؤسستين، فمثل هذا التنسيق بمثل هذه القضايا يحدث في أكثر الدول تمسكا بالقانون، فكيف في دولة جعلت من قوانينها عجينة تفصلها على قياس أهل النفوذ ومصالحهم غير المشروعة؟ وهنا ينطرح سؤال، هل نحن أمام حرب العائلات أو لعبة نصب أفخاخ بين المؤسسات.

الثالثة، هو البيان الصادر عن عشائر بعلبك الهرمل، وفيه “ناشد أبناء عشيرتي شمص وجعفر الاحتكام للقوانين العشائرية والأعراف السائدة في المنطقة وفيما بينها، وأن يكون الشرع والقوانين والأعراف الفيصل والحكم والمرجع بحل المشاكل”.

من خلال أسماء العائلات والعشائر الموقعة على البيان، يمكن القول إن البيان يعبّر عن الأغلبية الساحقة من البعلبكيين، فهو يضم أسماء كبرى العائلات فيها، لكن ما يستدعي التوقف عنده، هو سؤال لأصحاب البيان، ما دام هناك “قوانين” وأعراف سائدة و”الشرع” لماذا يتكبد البعلبكيون عناء المشاركة في الانتخابات النيابية لاختيار من يمثلهم في مجلس نيابي مهمته سن القوانين والشرائع، وهم بغنى عن مثل هذه القوانين المتوافرة عندهم؟ وماذا عن موقف نواب المنطقة، أليس هذا مصادرة لدورهم ولماذا بلعوا ألسنتهم حيال هذه القضية؟ هل هناك رضا ضمني منهم على مثل هذه الطروحات؟

والأنكى أن يصدر مثل هذا البيان، في لحظة يتحسس فيها اللبنانيون من مشاريع فدرالية تعدها “الأشباح” المحلية والدولية والسؤال ألا يصب البيان المذكور في نهر الفيدرالية الآخذ بالتدفق؟ هل لنا في المنطقة قوانين خاصة بنا؟ هل ما حدث بين آل شمص وآل جعفر هو جريمة محلية وليست جريمة فدرالية تنطبق عليها قوانين المركز؟

هناك الكثير من الأسئلة، لكن من يجيب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق