قضايا ومتابعات

ثورة 17 تشرين.. أمام تحدي البقاء والاستمرار!..
مناطق نت

كان يوم خميس عندما بدأت الناس تتداعى على وسائل التواصل للنزول عصر ذلك اليوم إلى ساحة الشهداء رفضاً لفرض ضريبة على «الواتس أب». التلبية جاءت سريعة وغير متوقعة وأظهرت أن رفض تلك الزيادة ليس سوى رأس جبل جليد بدأ بالذوبان، كشف أن اللبنانيون نزلوا هذه المرة كما لم ينزلوا من قبل، وذلك في أهدافهم الواضحة التي صوّبت على تلك الطبقة السياسية التي أفقرتهم وسرقتهم وجوعتهم وذهبت ببلدهم إلى «الجحيم».

الحديث عن ذلك اليوم ليس حديثاً عن يوم عادي كباقي الأيام التي تحفل بها رزنامة الأيام السياسية في لبنان حيث تزدحم بأحداث كبرى تكاد تملؤها عن بكرة أبيها. ذلك اليوم لا يشبه سواه من كل تلك الأيام وهو ١٧ تشرين. انتفاء الشبه ليس لأن حشداً هائلاً من اللبنانيين نزلوا في ذلك اليوم إلى الساحات والشوارع، فهناك أيام أخرى نزلوا فيها أيضاً اللبنانيون إلى الشوارع وبكثافة. وقد يكون الجزء الأكبر من الذين نزلوا في ذلك اليوم هم أنفسهم نزلوا في مرات سابقة. لكن النزول المدوي هذه المرة اختلف بشكل جذري عن كل ما عداه وهو يستحق أن نطلق عليه «عامية لبنان». ١٧ تشرين سيحفر أرقامه عميقاً في رزنامة الأيام اللبنانية لأنه يؤرخ لنهاية وسقوط طبقة سياسية فاسدة حكمت لبنان عشرات السنين، لكن تلك النهاية لم تكتمل خواتيمها بعد. المختلف جذرياً في ١٧ تشرين أنه يوماً عابراً للطوائف والمناطق والأحزاب والشعارات، يوم اكتشف فيه اللبنانيون عمق أزمة نظامهم وكشفوا فيه الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت بلدهم تحت شعارات زائفة شكّلت غطاءً لنهب مقدرات دولتهم ووطنهم.

المحطة الفاصلة التي أحدثها يوم ١٧ تشرين أن لبنان لن يعود كما كان عليه قبل ذلك اليوم. ما نشهده الآن هو موتاً سريرياً لنظام لم تتكشف بدائله بعد لكنه سيكون مختلفاً حتماً وستتبلور صورته في المقبل من الأيام.

المختلف أن يوم ١٧ تشرين لم يولد من رحم ثورات القرن العشرين ولا يندرج تحتها أو يتماثل معها، وأهميته أنه كان بلا مجلس قيادة ثورة، وبلا بيان رقم واحد يُذاع من محطة تلفزة أو إذاعة بعد احتلالها، وبلا قادة تتحول صورهم عند انتصار الثورات إلى أيقونات مقدسة ممنوع المساس بها، تزج بمنتقديها بغياهب السجون والمعتقلات وتحيلهم إلى أعداء مصيرهم الموت. أهمية ١٧ تشرين أنها ثورة غير معلّبة شعاراتها واضحة وبسيطة ولا تتشابه مع شعارات الثورات السابقة التي تحوّلت إلى خشبية واحتاجت إلى عقود من الزمن لفك شيفراتها السحرية المزيفة.

المختلف أيضاً في ١٧ تشرين أنها فرضت على كل الداخلين إليها خلع أحزابهم وطوائفهم ومعتقداتهم قبل الدخول إليها، وفرضت على أحزاب كثيرة الإنضمام إليها مجردين من شعاراتهم الحزبية الضيقة.

بالرغم من أنها جملة صغيرة لم تتعدَ كلماتها الثلاث كلمات، فإن «كلن يعني كلن» تحوّلت ببساطتها إلى شعار للثورة صدحت به آلاف الحناجر في الساحات واختصرت برنامجاً كاملاً. هذا البرنامج بدأ بالمطالبة بإسقاط منظومة النهب والفساد والمحسوبية والمحاصصة والتي اتكأت على نظام عفن لم يعد قابلاً للحياة. هذه المنظومة التي سطت طوال عقود على مقدرات الدولة، كان توزيع فتات تلك المقدرات وهي حق للناس شرطاً للولاء السياسي، سقطت وتلفظ أنفاسها بالرغم من أنها لا زالت حتى هذه اللحظة تمارس سياسة الإنكار لكل ما حصل، لكنها في قرارة نفسها تعرف أن ما كانت تمارسه قبل ١٧ تشرين ولّى إلى غير رجعة.

بين التشرينين (٢٠١٩ – ٢٠٢٠) عام مضى ومعه تكشّفت الأيام عن مدى جرائم هذه المنظومة الفاسدة والمجرمة وآخرها كان زلزال المرفأ. أمور كثيرة تغيّرت قلبت حياة اللبنانيين رأساً على عقب حيث أصبح غالبيتهم فقراء أو يعيشون تحت خط الفقر، وسيمضي وقت طويل قبل أن تعود إلى سابق عهدها، وتلك العودة مشروطة برحيل منظومة الفساد التي عاثت نهباً وتخريباً بمؤسسات الدولة ومقدراتها.

في ذكرى ١٧ تشرين تبقى التحية إلى جميع اللبنانيين واللبنانيات الذين نزلوا ذلك النهار طلباً لأبسط حقوقهم في الحياة، حالفين يمين الطلاق على طبقة سياسية لطالما كانت سبباً بمآسيهم. في ١٧ تشرين تحية إلى المرأة اللبنانية التي أثبتت أن لها دور وازن وأساسي في عامية لبنان ومن دونها لكانت تلك الثورة ينقصها الكثير.

في ظل الإنهيار الحاصل لا مكان لموت الأوطان، فهي وإن انهارت إلا أنها ستعود وتولد من جديد وهذه الولادة لن تكون سوى مخاضاً، ولادته الحقيقية بدأت في ١٧ تشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق