فلاشات

هل تدفع الضغوط المقابلة لمطالب حزب الله نحو حكومة متوازنة في لبنان؟

كتب وليد شقير في “الأندبندنت” عربية مقالا تحت عنوان “هل تدفع الضغوط المقابلة لمطالب “حزب الله” نحو حكومة متوازنة في لبنان؟” جاء فيه:

عاش اللبنانيون بالأيام الماضية في متابعتهم أخبار تأليف الحكومة الجديدة برئاسة زعيم تيار “المستقبل”، سعد الحريري، تأرجحاً بين تسريبات حول ليونة وتنازلات يُبديها الأخير في المعايير التي وضعها لإنجازها، وبين أخرى توقعت تفهماً لتلك المعايير، وتفاهماً بينه وبين سائر القيادات السياسية على خفض سقف مطالبها التوزيرية وحصصها من أجل إعطاء صدقية للتركيبة الحكومية أمام المجتمع الدولي، بأن مهمتها تطبيق الإصلاحات الموعودة التي تُتيح مساعدة لبنان مالياً.

مارسَ الحريري سياسة الصمت إزاء هذا التأرجح بين هذين النوعين من التسريبات. فالنوع الأول الذي أوحى بأن رئيس الحكومة المكلف يتخلى عن معيار اختيار وزراء مستقلين غير حزبيين، تاركاً لكل أنواع التكهنات أو التمنيات من قبل بعض الأفرقاء أن تُمارس لعبة إعلامية هدفها دفعه إلى كشف ما ينويه، على أن يأتي شكل الحكومة عند إعلانها هو الرد العملي. كما أن التسريبات عن أن الحريري تخلَّى عن المُداورة في توزيع الحقائب على الطوائف، وبالتالي الأحزاب، هدفها ضرب صدقيته كما يقول قياديون في تيار “المستقبل”.

ومع الصمت إزاء هذا النوع من التسريبات المحبطة، يعتبر القياديون ذاتهم، أن بعضها بعيد من الواقع، وأن صدور بيانين لنفيها من رئاسة الجمهورية كافٍ لتجاهلها، وأن الحريري ما زال عند المعايير التي وضعها.

في المقابل، فإن التسريبات عن أن الأجواء الإيجابية تسود التحضيرات التي تسبق تقديم الحريري تشكيلته الحكومية لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، المرجحة هذا الأسبوع، بعد اجتماعين عقدهما معه، استمرت بتأثيراتها النفسية على سوق سعر الصرف، فواصل الدولار الأميركي هبوطه مع مطلع الأسبوع مقابل الليرة اللبنانية.

وتفيد المعلومات بأن الحريري قد يُبدي ليونةً إزاء مطالبة أفرقاء له بتوسيع عدد الوزراء إلى 20 بدلاً من 14 وزيراً، لكنه قد يُفاجأ كُثُر بأن المداورة في الحقائب ستطبق، ويمكن أن تشمل “حقائب سيادية” (الداخلية، والخارجية، والدفاع، والمال)، التي كان التوزير فيها يقتصر على الطوائف الأربع الكبرى حصراً (الموارنة، والسنة، والشيعة، والأرثوذكس)، وإباحة توليها من وزراء ينتمون إلى الطوائف الصغرى.

المداورة في الوزارات والطوائف الصغرى

يُواكب اعتماد أسلوب التكتم من قبل الحريري وأوساطه إزاء التسريبات الآتية من كل حدب وصوب، ترقب في أوساط المال والأعمال، التي ترتاح عموماً إلى عودته، لجهة حماسه لتحقيق ورقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإصلاحية، كشرط لصندوق النقد الدولي والدول المانحة من أجل قبول تقديم المساعدة المالية التي تؤمن السيولة التي فقدها لبنان، ما سبب انكماشاً اقتصادياً، وينذر بمزيد من التدهور في الوضع المعيشي في البلد. ومقابل هذا الترقب، يبقى عالم رجال المال والأعمال حذراً في التفاؤل حيال إمكان ممارسة القوى السياسية ضغوطها على تأليف الحكومة؛ فإذا جاء الوزراء المستقلون بتسمية من قادة الطوائف يصبحون خاضعين لهم، خصوصاً أن “حزب الله” وحركة “أمل” كانا قد اشترطا على الرئيس المكلف السابق تأليف الحكومة، السفير مصطفى أديب، أن يسميا الوزراء الشيعة. ولأن مسايرة “الثنائي الشيعي” في ذلك، ستفرض التسليم بأن يفعل الأفرقاء الآخرون الشيء ذاته، فإن الحكومة ستفقد حينها صفة الاستقلالية، ولذلك ترجح مصادر مواكبة لتأليف الحكومة أن يتمسك الحريري بمعيار تسمية الوزراء من قبله، وأن يكون لـ”الثنائي” حق رفض الأسماء إلى أن يقبلوا بمن لا يعتبرونهم مُعادين لهما من الوزراء الشيعة. وبهذه الطريقة يحتفظ الحريري بحق التسمية، ولا يقدم حجةً للأفرقاء الآخرين بأن يطالبوا بحق اقتراح أسماء الوزراء الذين ينتمون إلى طوائف أخرى.
رقب واشنطن لتركيبة الحكومة

وليست وحدها الهيئات الاقتصادية التي يفترض أن يأخذ الحريري قلقها من هيمنة الأحزاب وأمراء الطوائف على تركيبتها عبر تسمية الوزراء، في الاعتبار، بل إن الدول الكبرى المعنية، على انشغالاتها بأزمات ومسائل ملحة أخرى، أقلها تفاقم جائحة كورونا، ترصد مدى مُلاءمة الحكومة العتيدة مع مقياس استقلالية وزرائها. فالولايات المتحدة التي نجحت في ضم دول جديدة إلى قائمة الدول التي تصنف “حزب الله” إرهابياً بجناحيه العسكري والسياسي، وآخرها إستونيا (بعد لاتفيا في أوروبا) وغواتيمالا، على طريق توسيع دائرة الدول التي تتشدد في ملاحقة عمليات تمويل الحزب. وسبق أن أبلغ مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، أفرقاء لبنانيين أثناء زيارته إلى بيروت، أن واشنطن تعارض اشتراك “حزب الله” في الحكومة، وأنها لن تتعامل مع الوزارات التي يتولاها وزراء غير حزبيين يمثلون “الحزب”.

سلاح العقوبات مستمر

ولا يقتصر الموقف الأميركي هنا على التحفظ حيال مشاركة “الحزب”، بل إن بعض الأوساط المتصلة بالدبلوماسية الأميركية في بيروت لا تستبعد استخدام سياسة العقوبات كإحدى وسائل الضغط التي تعتمدها واشنطن وتختار لها توقيتاً سياسياً، إذا جرت عرقلة الحكومة من أفرقاء آخرين غير “الحزب” ومن حلفائه. فإزاء تساؤل عديد من اللبنانيين عما إذا كانت موافقة “الثنائي الشيعي” على مفاوضات ترسيم الحدود البرية والبحرية قد أدت إلى وقف العقوبات على “حزب الله”، حرص شينكر في ندوة صحافية له في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على الرد على هذا الافتراض بالقول إنه “لا توجد صفقة هنا. لا يوجد شيء للقراءة ما بين السطور. ستواصل الولايات المتحدة فرض العقوبات، وستواصل متابعة العقوبات ضد حزب الله وحلفاءه اللبنانيين. ستستمر الولايات المتحدة في فرض عقوبات من خلال قانون ماغنيتسكي العالمي ضد أولئك المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد. وبالتالي لا يوجد اتفاق هنا. وستستمر بغض النظر عن المحادثات حول الحدود البحرية (مع إسرائيل)، وبغض النظر عن تشكيل الحكومة”.
الرياض ترصد

وتذكر أوساط دبلوماسية بأن الدول الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تراقب ما إذا كانت الحكومة ستضم من يمثل “حزب الله” في الحكومة، وستتعاطى معها وفق هذا المعيار، واستناداً لما سبق لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن أعلنه في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة الشهر الماضي، والذي اعتبر فيه أن انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) الماضي حصل “نتيجة هيمنة حزب الله على اتخاذ القرار في لبنان بقوة السلاح، مما أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة الدستورية”.

وتردد هذه الأوساط قول الملك سلمان إن “تحقيق ما يتطلع إليه الشعب اللبناني من أمن واستقرار ورخاء يتطلب تجريد هذا الحزب الإرهابي من السلاح”.

إبعاد باسيل ونصائح البطريرك

ما يدعو بعض الأوساط إلى إعطاء الحريري فرصة تأليف حكومة قادرة على استعجال الإصلاحات وخفض مطالب الأفرقاء السياسيين، هو أملها بأن القيادات السياسية أخذت تشعر بخطورة ما ينتظر لبنان من تدهور قد يُطيح بما تبقى لها من شعبية لدى طوائفها، فالحديث في هذه الأوساط هو أن الضغوط الخارجية والداخلية تدفع باتجاه تسهيل مهمة الحريري والإقلاع عن الأساليب السابقة للزعامات التي تغلب المحاصصة والولاء على الكفاءة والنزاهة. وإذا صح ترويج الأخبار المتفائلة بإمكان التوافق بين عون والحريري بصرف النظر عن إصرار الأول على أن يتفق زعيم “المستقبل” مع رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، فهذا يعود وفق هذه الأوساط إلى أن عون اقتنع بحصر تأليف الحكومة بتعاونه مع الرئيس المكلف، بعدما تكاثرت المواقف الداخلية والخارجية التي تعاطت مع باسيل على أنه المعرقل الرئيس لانتظام عمل الحكومات بتدخله في كل شاردة وواردة، بحيث بات منبوذاً سياسياً، وهذا ما دفعه إلى الإعلان أن تكتله النيابي يوافق على ما يتفق عليه الرئيسان، لكن عوامل التسهيل المحتملة لمهمة الحريري في تأليف الحكومة لا تقتصر على إبعاد باسيل عن الصورة. فقد كان للبطريرك الماروني بشارة الراعي موقف لافت أيضاً في عظته الأحد الماضي، قد يصب في مصلحة سعي الحريري إلى حكومة مستقلين إذا أتيح له أن يستفيد منه؛ إذ نصح الراعي، الحريري بأن “يتخطى شروط الفئات السياسية وشروطهم المضادة، وتجنب مستنقع المصالح والمحاصصة وشهية السياسيين والطائفيين، فيما الشعب منهم براء. من أجل بلوغ هذا الهدف نقول لك باحترام ومودة: التزم فحسب بنود الدستور والميثاق، ومستلزمات الإنقاذ، وقاعدة التوازن في المداورة الشاملة وفي اختيار أصحاب الكفاية والأهلية والولاء للوطن، حيث تقترن المعرفة بالخبرة، والاختصاص بالاستقلالية السياسية. احذر الاتفاقيات الثنائية السرية والوعود، فإنها تحمل في طياتها بذور خلافات ونزاعات على حساب نجاح الحكومة”. وخاطب البطريرك الحريري قائلاً “لا تضع المسيحيين وراء ظهرك، تذكر ما كان يردد المغفور له والدك: البلد لا يمشي من دون المسيحيين. هذا انتباه فطن وحكيم، فالمسيحيون لا يُساومون على لبنان لأنه وطنهم الوحيد والأوحد”. وإذ لفت تعداد البطريرك الجهات التي تقف مع الحريري في سعيه لتأليف الحكومة ومنها “الكنيسة المؤتمنة على خير كل إنسان، ومعه منكوبو نصف العاصمة بيروت المدمرة من انفجار المرفأ، وأكثرية أهلها الساحقة من المسيحيين”.

فالبطريرك الراعي أراد بكلامه إبلاغ الحريري، ومن يلزم من الأفرقاء، أن ضغط الثنائي الشيعي عليه للأخذ بمطالب “حزب الله” في تسمية الوزراء الشيعة، يقابله موقف مسيحي رافض وتحذير مما تردد عن اتفاق سني – شيعي يُعطي “الثنائي الشيعي” امتيازاً على القوى السياسية الأخرى باستثناء حقيبة المال من المداورة، لإسنادها إلى شيعي يسميه “الثنائي”، وكذلك بالنسبة إلى وزارات أخرى. وهي المرة الأولى التي يدلي البطريرك بدلوه بهذا الشكل في شأن تأليف الحكومة الجديدة، بحيث يستطيع الحريري الاستناد إلى موقفه من أجل خفض سقف مطالب شركائه الآخرين تجنباً لمزيد من الحساسيات الطائفية التي تحول دون التوافق على المعالجات الاقتصادية المطلوبة ولتغليب التوازن في تركيبة الحكومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق