قضايا ومتابعات

” البازل الحكومي ” .. ” الأعمال بالنّيات ” والحريري نَوَى !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

ليست المسألة ” تلبيس طرابيش ” بل ” تشكيل حكومة ” إنقاذ تُعيد وضع البلاد على برّ الأمان، وتمنع عنه تجرّع كأس المرّ كاملًا، هكذا تسير عملية التأليف التي يتّبعها رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، وسط أنواء عاتية ورهانات داخلية وخارجية، منها ما هو إيجابي ومنها السلبي، وكأننا أمام ” اختبار ” الـ COVID 19 بانتظار التقرير النهائي ..

كل الدلائل تؤكد أننا أمام أسبوع مفصلي لجهة تصاعد ” دخان ” بعبدا الأبيض، وسط رياح إقليمية – دولية مواتية لإخراج ” أرنب ” التشكيلة من قبعة المشاورات التي تجري على قدم وساق بين رئيس الجمهورية والحريري، فيما المكونات اللبنانية تصطفّ خلف ضرورة تشكيل الحكومة بسرعة وانجاح المساعي القائمة وملاقاة الجهود المبذولة بـ ” نوايا ” حسنة، والتزام تام بـ ” إنما الأعمال بالنيات ” ..

حتى اللحظة ومن دون أي ” صدامات بالمباشر “، انتزع الحريري من القوى السياسية ” مسلّمتين “، الأولى وجوب تغيير العقلية السائدة سابقا في عملية التشكيل وتحويل الدفّة نحو حكومة اختصاصيين يمتلكون الخبرة والديناميكية المطلوبة لهذه المرحلة، والثانية اختصاصيين من غير الحزبيين أو السياسيين، وهذا وفّر له هامشًا واسعًا للمشاورات على بقية المواصفات التي ستكون عليها الحكومة العتيدة ..

مصادر متابعة للملف الحكومي أكدت أن الرئيس المكلّف لم يطرح نفسه من فراغ، بل لجملة من المعطيات باتت بحوزته وينطلق منها، ويتكىء على موقعه السياسي ورصيده المتراكم كـ ” زعيم ” استحصله من تجربة هائلة أعقبت زلزال 14 شباط، وهو من خلال إعادة هذا الطرح يعمد إلى تفويت الفرصة من أمام المراهنين على استمرار سياسة إلحاق لبنان بمشاريع لا علاقة له بها، وانتشاله من أزمة غير مسبوقة حتى في زمن الحرب الأهلية ..

تضيف : ” تنسحب على البلاد موجة تفاؤل مشوبة بالحذر، إذ يقرأ بعض المناوئين للحريري أن ” حركته ” بلا ” بركة ” وأن الارتياح العام الذي ساد بعد التكليف ما هو إلا زوبعة في فنجان، وأن الأمور تسير وفق المنطق التحاصصي نفسه، بينما الفريق الداعم لمسار التأليف مرتاح جدًا للالتزام الذي أظهره ” طرفا التأليف “، وأن الصمت غير المألوف المفروض منذ الخميس الماضي هو المتحكّم في العملية، قد يساعد على اخراج التشكيلة من ” قبعة ” التعقيدات المحلية والتقاطعات الاقليمية – الدولية ” ..

وتقول المصادر : ” أدرك الحريري أنه من الصعب تجاوز الكتل النيابية وواقع الأحزاب، وعليه عبور طريقها المفخخ والخروج بأقل ضرر ممكن للإتيان بحكومة ذات مهمات محددة، في سعيه للظفر بتوقيع رئيس الجمهورية أولا وثقة المجلس النيابي ثانيًا، فاختار الأطر الدستورية في مشواره معتمدًا على مضمون المادة (53) من الدستور في حصر المفاوضات مع ” شريكه الوحيد “، والتزام الصمت المطبق من الطرفين مرده لرؤية ذات شقين :

أولًا : قطع الطريق على أي محاولة لضرب حال التفاؤل التي سادت جراء النوايا الصادقة في الخروج بحكومة سريعا، وحماية مسار تأليفها من أي تدخلات من هنا أو هناك قبل إكتمال صورة ” البازل ” النهائي لها ..

ثانيًا : اخفاء الصعوبات إفساحًا بالمجال أمام المزيد من المشاورات الهادئة وعدم تظهير الخلاف، لاسيما أن أي سقوف عالية للأطراف قد يؤخر ولادتها ولا مجال لإهدار المزيد من الوقت وحرق الفرص، وإتاحة المجال للذين تسلّقوا ” شجرة الشروط ” من النزول قبل الانهيار الكبير “..

إن إدراك كافة القوى أن الوقوف في وجه ” المد ” الفرنسي – الأميركي ” في تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين هو انتحار جماعي، ويضع البلاد في مهب الريح وحرمانها من فرصة أخيرة لتنفيذ جملة من الاصلاحات الضرورية للإفراج عن المساعدات الدولية، وتضع البلاد في موقف جيد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهذا ما كان بارزًا إثر التراجع ” الملحوظ ” لتأثيرات حزب الله على السلطة التنفيذية، لإدراكه أن الواقع اللبناني بمجمله لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد من التعقيدات ..

وإزاء هذه التقاطعات بدت في الساعات الأخيرة ” مرونة ” متبادلة بين عون والحريري حيال شكل الحكومة والتي قد تصبح عشرينية رغم تفضيل الحريري أن تكون من 14 وزيرًا، لكن عقدة التمثيل الطائفي وفق مندرجات المادة (95) تشكل عقبة أمامه، ويظل مبدأ المداورة في الحقائب (باستثناء المالية) وكيفية تدوير الزوايا في تركيبة ” البازل ” من دون أي تشوهات، وقد يعمد الرئيس المكلّف على البدء بنفسه من خلال التخلّي عن وزارتي الداخلية والاتصالات لكسر تصلب التيار الوطني الحر أمام تسهيل المداورة ..

وبعيدًا عن كمية ” الاشاعات ” التي تكاد تنحصر عملية تسويقها بفريق معين، فإن التوازنات في ” البازل ” الحكومي شكلًا ومضمونًا، تخضع لعاملين أساسيين يحضران بقوة في عملية ” الطبخة الحكومية ” قبل أن تحترق تحت وطأة الأوضاع الكارثية التي تهوي البلاد نحوها، وقد تحدّ من إمكانية الخروج بحكومة توقف الانهيار والسقوط في أتون الفوضى :

أ – لا اختلافات جوهرية في نظر الأميركيين ( جمهوريين وديموقراطيين ) حيال لبنان وتعقيداته، لذلك من المستبعد أن يكون لنتائج الانتخابات الرئاسية أي تأثيرات على مسار تشكيل الحكومة، ولا رابط بين الحدثين، خصوصًا أن نتائجها وتأثيراتها لن تظهر على واقع المنطقة قبل الربيع المقبل ..

ب – البراغماتية المحلية السائدة والتي جعلت الأقطاب يتحلّون بها نتيجة انحسار” العناد ” السياسي، تجعل ولادة الحكومة مسألة وقت لا أكثر ..

حتى اللحظة فرص النجاح متساوية مع فرص الفشل،والأبواب التي قد تفتح أمام الحريري هي ذاتها قد تقفل، لاسيما أن الترحيب الدولي الذي رافق تكليفه مشروط بولادة حكومة بعيدة عن المحاصصة، ومجردة من المؤثرات السلبية التي كانت تحملها الحكومات السابقة، وتكون قادرة على استعادة الثقة المفقودة بالفئة الحاكمة، وبالسياسة الخارجية والمالية للدولة، والأهم من كل ذلك، أن تعيد ترميم العلاقة بين لبنان وأشقائه العرب، والتي تم تحطيمها على مذبح العناد والمكابرة ..

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق