قضايا ومتابعات

الطائفية تبعث من جديد .. والطائف ” ميت سريريًا ” !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

لم يكن فيلم ” الحدود ” الذي كتبه الأديب الراحل محمد الماغوط وأنتج في العام 1984 وأدّى الممثل دريد لحام دور البطولة فيه، مجرّد وجبة سينمائية سياسية ساخرة من واقعنا العربي المهترىء، بل شكّل في لحظة مفصلية قراءة عميقة للشرخ المتغلغل في النفوس والنصوص، ورسم إلى حدٍّ بعيد أن الأزمات في أوطاننا سطحية وساذجة بامتياز، لدرجة مقدرتنا على أن ” نعمل من الحبّة قبّة ” ..

إن الادراك اللبناني كان ينتظر تهاوي نظامه القائم منذ الـ 1990، ليس لأن الطائف ودستوره لا يصلحا لمرحلة تأسيسية انتقالية نحو هيكلة الدولة وتفكيك الأبعاد الأيديولوجية للطوائف في الطريق نحو المواطنة، بل لأن عدد الفقهاء الدستوريين وفلاسفة القوانين أحالوه “خرقة بالية”، يمسحون بها تجلياتهم ” الكوميدية ” في تفسيره وإلباسه لبوس أهدافهم السلطوية ..

بيانان بالأمس أظهرا عمق الأزمة اللبنانية، صدر الأول بعد انعقاد الجمعية العمومية للرابطة المارونية وتضمن ” لسنا في ازمة تأليف حكومة ، بل في أزمة حكم ونظام، ويجب التحرر أولاً من قدسية الطائف ودستوره والمباشرة في حوار وطني عام لابتكار نظام جديد عصري يعيد للوطن معناه الكياني “، والثاني إثر اجتماع كتلة المستقبل النيابية وتضمّن ” انتفضت هذه المرجعيات على مسار مشبوه ، من الصعوبة في مكان عزله عن الكيديات السياسية والمحاولات الجارية للانقلاب على صيغة الوفاق الوطني والدعوات المتلاحقة لفرض معايير طائفية على الادارة السياسية للبلاد ” ..

كان اتفاق الطائف يتعلق بإعادة التنظيم أكثر منه بالتغيير، وتمّ تنظيمه حول ثلاثة مبادئ توجيهية :

1- إقامة توازن جديد بين وحدة لبنان ونظامه السياسي وبين تنوّع البنية السياسية والاجتماعية في البلاد، ونقل السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء كهيئة جماعية، ومبدأ المساواة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان ومجلس الوزراء والمناصب العليا في الخدمة المدنية، بغض النظر عن التطورات الديموغرافية في المستقبل ..

2- دعا الاتفاق إلى إنشاء مجلس للشيوخ على أساس طائفي، ليضمن دور الجماعات الدينية عبر منحها سلطة الرقابة على الشؤون الوطنية الحيوية والمسائل المشار إليها في الاتفاق بعد إلغاء الطائفية في المجلس النيابي، وطرح اللامركزية الإدارية، وأشار إلى مراجعة نظام قانون الأحوال الشخصية، ودعا إلى إنشاء لجنة وطنية لمناقشة إلغاء الطائفية السياسية، لكن من دون أمل بإمكانية تحقيق ذلك ..

3- وضع اتفاق الطائف الأساس لعلاقات مميّزة بين لبنان وسوريا، مع ما يترتب على ذلك من آثار على البيئة السياسية في البلدين ..

صحيح أنه من بين المبادئ الثلاثة، يُعتبر الأول والثاني الأكثر أهمية بالنسبة إلى الجدلية التي تتعلق بالطائفية السياسية اللبنانية، ومع ذلك، تبيّن أن المبدأ الثالث إثر مؤتمر مدريد 1991 كان الأبرز لجهة ضبط هذه العلاقة وتسليم مقاليد التحكم فيها بالكامل إلى دمشق، التي اعتبرت المظلة الدولية لتطبيق هذا الاتفاق، فارتأت أن تطبق منه ما يناسبها، وهتكت البنود التي تتيح انتقال لبنان من ” المزرعة الطائفية ” إلى ” الدولة المدنية ” ..

إذا ماوضعنا النص جانبًا، نرى أن صياغة اتفاق الطائف جرت إلى حدٍّ كبير بالطريقة التي تم تطبيقه بها بعد العام 1990، والكيفية التي حُكِم بها لبنان، من جانب القادة الجدد، وسوريا التي مارست السيطرة أو الوصاية على البلاد، وقد أدرك، منذ البداية، العديد من متابعي ومنتقدي اتفاق الطائف أن أوجه القصور في وسائل الحكم التي حدّدها الاتفاق كانت متعمّدة، لأسباب تتعلق بالنفوذ السوري،فقد وافقت الأطراف الدولية الضامنة لاتفاق الطائف بالإجماع على السماح لسوريا بفرض وصاية فعلية على لبنان والحياة السياسية فيه، وقد لعبت دورًا دائمًا وموازنًا ودقيقًا بين المسيحيين والمسلمين عمومًا، وأثارت العديد من التوترات القائمة اليوم، مُستفيدةً بالكامل من حرية التصرّف التي مُنحت لها ..

أعاد اتفاق الطائف تنظيم الصلاحيات والأجهزة الدستورية، على نحو يتجاوز المظهر المُعتدل لنقل الصلاحيات التنفيذية من الرئاسة، التي كانت تتمتع بسلطة مطلقة في السابق، إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، ووضع أيضًا أنموذجًا جديدًا تمامًا لتحقيق التوازن الطائفي في السلطة، من خلال إنهاء الهيمنة السياسية والرمزية التي كانت تمارسها المؤسسة المارونية، ومع ذلك، بقي مآل نقل الصلاحيات الرئاسية غير واضح، ومن خلال إسناد هذه الصلاحيات إلى مجلس الوزراء، حيث كان التكافؤ الديني يشكّل ضمانة رسمية للمساواة بين الطوائف، فقد نشر اتفاق الطائف السلطة ووزعها، ماجعل من الصعب تحديدها وممارستها، ولم يكن واضحًا أيضًا من هو الطرف الذي سيكون مسؤولاً عن اتخاذ القرارات، وقد تفاقم هذا الوضع بسبب إبقاء بنود عدّة في الاتفاق غامضة، ربما عن قصد، وعرضة إلى التأويل ..

للوهلة الأولى، بدا أن رئيس الوزراء السنّي هو المستفيد الرئيس من عملية نقل السلطة هذه، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فقد تم توزيع السلطة بشكل متوازٍ من دون إمكانية لأي طرف بوضع اليد بالكامل على القرار التنفيذي، وهذا مادفع بالفريق ” الماروني ” إلى صبّ جام غضبه لإحساسه أنه المتضرر الوحيد من نزع الصلاحيات الرئاسية المتفردة، لاسيما في موضع تشكيل الحكومات وعزلها، والسعي دومًا إلى استعادة هذه الخاصية، والطريق نحو هذا يبدأ بتهشيم الطائف وحشوه بالبدع والتقاليد والأعراف، لتحويله شيئًا فشيئًا إلى دستور ” ميْت سريريًا ” ..

لقد بدا واضحا من خلال البيانين أن نظام الطائفية السياسية في لبنان يعاني من أزمة، بينما تنطوي جميع النماذج السياسية الأخرى على أكلاف مدمّرة ومخاطر محتملة، مايجب أن يأخذه اللبنانيون بعين الاعتبار هو أن الشرق الأوسط برمته اليوم في حالة من الفوضى، وبالتالي فإن حدوث تحولات من أي نوع، وفي أي مكان، أمر مستبعد، ويتعيّن عليهم، في الوقت الراهن، أن ينشدوا العزاء في حقيقة أن مجتمعهم أقوى وأكثر مرونة وابتكارًا من الدولة، على الرغم من أن لبنان دولة فاشلة وفق الكثير من المعايير ..

الصيغة اللبنانية بعيدة عن كونها طريقًا يخلو من المطبّات، على العكس من ذلك هي صيغة تشهد وقوع الحوادث مرارًا وتقترب من نقطة اللاعودة الخطرة، وبالتالي، يجب على اللبنانيين أن يعترفوا بأن بلدهم يعاني من هشاشة دائمة وعدم استقرار متواصل، وأنه بلد يتأرجح على شفير الهاوية دومًا ..

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق