قضايا ومتابعات

عون والحريري والكيمياء المفقودة .. وباسيل يستغل !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

أجهض رئيس الجمهورية ميشال عون آخر المحاولات لاستيلاد الحكومة العتيدة قبل عطلة الأعياد، نتيجة إصراره على حقيبتي الداخلية والعدل بشكل مباشر بعيدًا عن طروحات الرئيس المكلف سعد الحريري بتأليف حكومة أخصائيين مستقليين ومن غير الحزبيين، وما تمّ كشفه عن الأسماء التي طرحها عون تظهر بوضوح محاولة ” تفخيخ ” الحكومة بالحزبيين لتحويلها إلى تكنوسياسية ..

لم يستسغ الحريري هذا الأسلوب، إذ أنه ومن وجهة نظره ينسف كل ما أتفق عليه في اللقاءات التي سبقت اللقاء الأخير، وتبدو بصمات الثنائي ( باسيل – جريصاتي ) واضحة في موقف عون، الذي وضع مبادرة البطريرك الراعي في مهب الريح أسوة بالمبادرة الفرنسية التي تترنح تحت الضربات المتوالية عليها لإفقادها ثوابتها باستخدام أسلوب ” من كتر الدق بيفك اللحام ” ..

تجاوزت قضية الحكومة مسألة التفاصيل الروتينية حول الحقائب والأسماء والتوزيعات السياسية والطائفية وباتت أبعد من هذا، فالمراوحة التي تطبع مسار التأليف تشير إلى أزمة أعمق تشتمل على ” قطب مخفية “، وأن التأخير متعمّد لترحيل ولادة الحكومة إلى ما بعد العشرين من كانون الثاني المقبل تاريخ تسلّم الادارة الأميركية الجديدة مقاليد السلطة في واشنطن، وهذا مرده لعدة أسباب أهمها :

أولًا : بات من حكم المؤكد أن “حكومة المهمة” ستكون الحكومة الأخيرة في عهد ميشال عون، وهي التي سيقع على عاتقها مسؤولية إدارة ملفات اقتصادية ومالية دقيقة واستحقاقات سياسية حسّاسة على الصعيد الداخلي وعلى المستوى الاقليمي، يأتي في مقدمها الانتخابات النيابية وربما الرئاسية، وسط احتمالات مرتفعة جدّا تؤشّر لعدم حصول الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري نتيجة الانشقاقات والتباينات حول قانون الانتخاب، الذي سيشتد الصراع حوله بقوة خلال العام المقبل، خصوصًا بعدما أعلن الرئيس نبيه بري أنه ضد إجرائها وفق القانون النافذ ..

هذا الأمر سيفجّر الخلافات ما سيؤدي إلى اعتبار القانون ” ميْت سريريًا “، وبالتالي تكرار صورة الـ 2013 والتمديد للمجلس النيابي، وقد يؤدي هذا أيضًا إلى حصول فراغ رئاسي إزاء الخلاف المستفحل والمستحكم حول الرئيس المقبل، من هنا لم تعد حكومة لفترة وجيزة بل ستكون أمام مهمات استثنائية، وعليه تكتسب أهمية في تركيبتها نظرًا لحسابات كل طرف خلال ما تبقّى من هذا العهد وحتى ما بعده ..

ثانيًا : في 14 شباط الماضي أعلن الحريري أن التسوية الرئاسية باتت ” في ذمّة التاريخ “ وهذا ما نسف الكيمياء بينه وبين عون، فبدلًا من أن يكونا على توافق أصبحا طرفي معركة قاسية، وضعتهما في خانة التشدد وعدم المقدرة على التنازل أو تدوير الزوايا وفق الآتي :

* عون لم يعد يرَ بالحريري الشريك المناسب والأجدر لترؤس الحكومة، بعدما وصل منسوب الثقة فيه للصفر، وتحديدا خلال العام الماضي متهمًا إياه بخذلانه والتهرّب من واجباته بعد الاستقالة، وليس المسؤول الجدير بقيادة مسيرة الانقاذ في المرحلة الأصعب من تاريخ لبنان، ورغم أنه وافق على تكليفه وفق قاعدة ” مكرهٌ أخاك لا بطل “، لكنه ” كَمنَ ” له في عملية التأليف محاولًا فرض شروطه التي تُعرّي الحريري من أي امتيازات تجعله يختزل صهره جبران باسيل من المعادلة ..

باسيل الباحث عن ” قشة ” وسط البحر الذي يتخبّط به، وجد في تأليف الحكومة فرصة قد لا تتكرر للتصدي لما يعتبره هجومًا شرسًا عليه لقطع الطريق أمام مشروعه الرئاسي، لاسيما بعد العقوبات الأميركية التي طوّقته، وطالما أن مفاعيل ” لعيون صهر الجنرال ما تتشكل الحكومة ” ماتزال قائمة، يفعل المستحيل كي لا تتشكل لأنها ستكون بمثابة هزيمة سياسية مدويّة له، تضاف إلى سلسلة الهزائم التي لحقت به وبشارعه عقب حراك 17 تشرين ..

* أما الحريري أيضًا يخوض ” المهمة المستحيلة ” متسلحًا باستعادته الكثير من خسائره خلال السنوات الأربعة الماضية، يقرأ الموقف المهيب الذي وجد نفسه في أتونه بكل دقة، متمسكًا بورقة التكليف، مواجهًا هجمات باسيل بالرفض القاطع، فلا ثلث معطّل ولا تمثيل سياسي أو حزبي ولا الموافقة على الإمساك بالحقائب الأمنية، معتبرًا أن ما يُهدر من فرص ومن وقت هو من عمر العهد، والخسارة الكبرى ستكون على من يعرقل ولادة الحكومة، وليس مستعدًا لإعادة التكليف إلى بعبدا، لأن هذا يعني إستعادة باسيل زمام المبادرة والعبث بمصير الرئاسة الثالثة كما فعل في حكومة حسان دياب ..

صحيح أن الحريري يواجه ضغوطًا كبيرة لكنه حتى اللحظة يتعايش معها من خلال التزامه تنفيذ مضمون الورقة الفرنسية، ورفضه الخضوع لشروط عون لأن رصيده السياسي على المحك، بالإضافة إلى علاقاته العربية والدولية، ويدرك أن أي مشاركة لـ ” حزب الله ” بطريقة أو بأخرى تعني فشل لعملية الانقاذ التي يخطط لها، لأن المجتمعين العربي والدولي لن يلتفتا له بل سيحاربونه بقسوة، وسيف العقوبات على الدائرة المقربة منه جاهز ويلوحون به عند كل مفترق ..

لهذا أخذ الحريري قراره الحاسم بعدم الاعتذار والمضي قدمًا في مهمة التأليف، لأنه يدرك أن وجوده على رأس السلطة التنفيذية عشية الاستحقاقات الدستورية والسياسية وحتى الشعبية يدفعه للتمسك أكثر بزمام الأمور، لأن الخروج من ” التكليف ” سيجعل عودته – وإن كانت قائمة في كل حين – معرضة لمخاطر جمّة ولأمد طويل ..

ربما ” عجقة ” العوامل والتبدلات الخارجية لا تصب في خانة التعجيل بولادة الحكومة، فالمنطقة برمتها مقبلة على انقلاب جذري تحت تأثير التغيير الذي طرأ على الإدارة الأميركية، خصوصًا لناحية المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع منسوب العودة إلى طاولة التفاوض، لهذا تجد أن الأطراف المعنية بالتشكيل والمرتبطة بالظروف الخارجية (الحريري وحزب الله) يحاولان قراءة المرحلة بـ ” عناية مركزّة “، ويستغل فريق العهد هذا الأمر لإملاء شروطه على الرئيس المكلّف، والامساك بدستورية ” التوقيع ” لعدم السماح له بالتصرف من موقع المنتصر، ولن يسهل عملية التشكيل إلا إذا كانت حكومة وفق شروطه وتصوره، أي على شاكلة الحكومة المستقيلة ..

تلاشي مبادرة ماكرون والوقت الضائع الذي تعيشه واشنطن، والترقب العربي وتحديدًا السعودي، والظروف المعيشية الخانقة التي يعيشها لبنان، دلائل بارزة تؤشر أنه ” لا حكومة “ في المدى المنظور أقله حتى شباط 2021 ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق