قضايا ومتابعات

قانون تجريم التحرش الجنسي..انتصار غير مكتمل!
فاطمة نعيم

بعد سنوات من النضال ومشاريع القوانين المقدّمة لتجريم التحرّش الجنسي، استجاب مجلس النواب لهذا المطلب في جلسته يوم الإثنين الماضي في قصر اليونيسكو، فصدّق على إقتراح القانون الرامي إلى معاقبة جريمة التحرّش الجنسي لا سيما في أماكن العمل. اختلفت الآراء حول هذا القانون، فمنهم من اعتبره انتصارا للنّساء اللواتي يعشن في لبنان، ومنهم من اعتبر أنه خطوة ناقصة مليئة بالثغرات.

لا شكّ بأنّ تجريم التحرّش الجنسي أمر مهمّ جدا، فحماية أفراد المجتمع واجبٌ على الدّولة بصورة أساسية، خاصّة في ظل زيادة التحرّش الإلكتروني الذي سجّل نسبة 104% في شهري تموز/يوليو وآب أغسطس الماضيين، وذلك بحسب أرقام المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي مقارنة بالسّنة الماضية، فقد سُجّلت 143 شكوى تحرش عبر منصة «بلّغ» التي أنشأتها المديرية (47 في الشهر الأول و96 في الشهر الثاني).

هذه الأرقام تعطينا فكرة أولية عن حجم المشكلة التي يواجهها لبنان مع الإشارة إلى غياب الإحصاءات المتعلقة بقضايا التحرش بأنواعه كافة ليس فقط الإلكتروني، فهل هذه المشكلة تُعالج بقانون ناقص تملؤه الثغرات؟

لم يُفصّل قانون التحرّش الجنسي بحسب متطلبات وتركيبة المجتمع اللّبناني، فغاب عنه حتى التّعريف الدّقيق لهذا المصطلح حيث عرّفه بأنه “كل فعل مخل للآداب”، فما يعتبره البعض تحرّشا جنسيا قد يعتبره البعض الآخر أمرا طبيعيا، بحسب ما قالته المحامية فداء عبد الفتّاح. بالإضافة إلى أنّ هذا القانون حُصر بالقضاء الجزائي ما يستدعي مرور الناجية بالنيابة العامة والدرك وقاضي التحقيق وصولا إلى المحكمة الجزائية. ولهذا الحصر سلبيات عديدة كفقدان الأهليّة لدى القوى الأمنية والضابطة العدلية في التعامل مع مثل هذه القضايا والمماطلة التي قد تعرّض الناجية إلى خسارة عملها من خلال الضغط عليها من قبل المتحرش.

كما أكّدت عبد الفتّاح أنّ التحرّش ليس حكرا على النّساء إنّما يطال الرّجال أيضا، والمتحرّش قد يكون “ذكيا” فلا يسمح للمتحرّش به بإثبات التّهمة عليه كما هو مطلوب في قانون معاقبة جريمة التحرّش. ضاربة المثال بشاب يبلغ من العمر 17 عاما تعرّض للتحرّش من رجل خمسيني، فطلبت منه محاولة إثبات هذا الأمر فالإدّعاء وحده لا يكفي. كما نوّهت بأنّ القانون وحده لا يكفي، فالتوعية على مخاطر التحرّش أمر ضروري من خلال المدارس ووسائل الإعلام.

في المقابل، اعتبرت المحامية ليلى عواضة في جمعية «كفى» بأنّ هذه الخطوة جاءت متأخّرة جدا وشكلّت الحدّ الأدنى من الحماية الفعّالة مما يؤكّد أنّ الدولة همها الأول والأخير صورتها أمام المجتمع الدّولي، وهذا لا يعني أنّنا لسنا بحاجة إليه، فتجريم التحرّش ربما يشجّع النّساء المتعرّضات للتحرش على الإبلاغ.

غياب التّوعية على مخاطر التحرّش الجنسي.
يتجذّر في مجتمعنا اللّبناني إلقاء اللّوم على الفتيات في أغلب حالات التحرّش، فالسؤال الأوّل الذي تسمعه الفتاة “شو كنتِ لابسة؟” أو يوصيها البعض بالتّستّر على الموضوع خوفا من الفضحية مما يجبر بعضهنّ على الرضوخ للاعتداء عليهنّ، فتصبح الأماكن العامّة خطرا على سلامتها الجسدية والنّفسية.

في هذا السّياق تشدّد المحامية عبد الفتّاح على أنّ القانون وحده لا يكفي بل على الدّولة العمل على توعية المجتمع على التحرّش من خلال إدخاله في المناهج التّربوية وحثّ وسائل الإعلام على تخصيص برامج توعوية، لأنّ من المولّى أمر حمايتها كالقوى الأمنية قد يتحرّش بها أو يلومها.

بعض نماذج القوانين في دول العالم.
مرورا بالقوانين العالمية فيما يخصّ تجريم قضايا التحرّش، عدّلت فرنسا منذ سنتين قانون يجرم التحرش الجنسي في الشوارع، وذلك بفرض غرامة فورية قد تصل إلى 750 يورو على المتحرّشين. وفي الولايات المتحدّة الأميركية قد يصل عقاب المتحرّش للسجن مدى الحياة، مع غرامة مالية كبيرة تتعدّى ربع مليون دولار أمريكي.

ووصل الحكم على المتحرّش إذا ثبتت عليه الجريمة إلى حرمانه من عضوه الذّكري مدى الحياة، وذلك من خلال إجراء إخصاء جراحي أو كيميائي، ما دفع الكثير من الدول أن تقوم بالعمل بهذا القانون مثل كوريا الجنوبية وروسيا. كما وقّع رئيس أندونيسيا في عام 2015، مرسومًا يجيز اللّجوء إلى عمليات إخصاء كيماوية لمعاقبة من يعتدون جنسيًا على الأطفال.

بالعودة إلى لبنان، ينتظِر الناشطون والناشطات وضع القانون حيّز التطبيق، في بلد تكثر فيه القوانين ويقلّ فيه التطبيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق