قضايا ومتابعات

جبران باسيل عن ” الطائف ” .. أنا ومن بعدي الطوفان !!
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

يُحكى أن واليًا مرّ بجانب طاحونة في إحدى البلدات النائية، وشاهد حمارًا يدور بحجر الرحى من دون توقّف وفي رقبته عُلّق جرس يصدر صوتًا واضحًا، فاستغرب الوالي هذا الأمر، وطلب لقاء الطحّان، وعندما حضر سأله، لماذا علّقت جرسًا في رقبة الحمار، فأجاب : لدي أعمال كثيرة ولا يمكنني الجلوس طوال النهار لمراقبة الحمار، ومادمت أسمع رنين الجرس أتأكد أن الحمار يدور ويدور ..

فقال له الوالي، أيها الرجل ماذا لو توقّف الحمار عن الدوران وأخذ يهز رقبته يمينًا ويسارًا ليستمر رنين الجرس ؟، فقال له الطحان، يا سيدي لو خطرت هذه الفكرة في رأس الحمار، لما كان هنا في الطاحونة، بل كان واليًا !! ..

يستهوي رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل التألق أمام كاميرات المحطات التلفزيونية لدرجة الانتقال بين المواضيع المتشعّبة كخبير استراتيجي فاقت خبرته خبرات العظماء في هذا المجال، وبات يتصرّف وكأنه الوحيد الذي يملك مفاتيح حقيقة الأمور وخفاياها، فأسقط نفسه في أتون “الشوفانية” الهزيلة أو “الغوبلزية” الفاقعة شكلًا ومضمونًا ..

لم يخرج باسيل في مؤتمره الصحفي على سياق ما هو متوقّع منه في حمأة هذا الكباش الدائر في لبنان، لكن الحقيقة الوحيدة التي أعلنها بكل وضوح هي السعي إلى استبدال النظام القائم حاليا ” دستور الطائف “، والبحث عن تصوّر لبناني مشترك لنظام سياسي جديد يضمن الاستقرار، لأن الطائف (من وجهة نظره) لم ينجح وهو ليس مقدّسًا ويمكن تغييره متى توافرت الارادة الجامعة لهذا الأمر ..

لاشيء يعني باسيل سوى السؤال الجوهري الذي يقلقه باستمرار، ما هو السبيل للوصول إلى قصر بعبدا رئيسًا في الضوء وليس في الظل ؟ ..

يعلم رئيس التيار الوطني الحر أن تصويب سهامه على الطائف باعتباره “اتفاقية” سلبت رئاسة الجمهورية صلاحياتها وأهدرت “حقوق المسيحيين”، يكاد يكون الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها في ظل الاصطفافات السياسية القائمة حاليًا، وأن المطالبة بالعودة إلى ميثاق الـ 1943 سيوفّر له الغطاء، مسيحيًا على الأقل، لصعوده إلى قمة الرئاسات من جهة، وإلى استعادة الكثير من شعبيته المتهاوية منذ 17 تشرين ثانيا، فقدّم نفسه كـ “واسطة العقد” بين العرب والغرب، من خلال تباهيه بعدم امتلاكه لأيديولوجية العداء لأحد، ووقوفه بجانب السلام العادل والشامل وفقًا للمبادرة العربية، وأنه لا سلام من دون دولة فلسطينية ..

أما في الداخل فاعتمد سياسة الهجوم المباشر على رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، وأن الأمان والإطمئنان له ليس واردًا على الاطلاق، وهو بهذا يوجه رسالة للمسيحيين قبل الحريري، بأن الدفاع عن حقوقهم من الأولويات في وجه من يريد تحويل رئيس الجمهورية إلى “باش كاتب”، وأنه يقف عقبة أمام هذا التصرّف، معتبرًا أن الدستور يحتاج لتعديل جوهري في الكثير من مواده الملتبسة، لاسيما في مسألتي الاستشارات النيابية وتأليف الحكومة، من خلال عدم تحديد المهل الزمنية لهما ..

يرى باسيل، وهو إمتداد لرأي الرئيس عون، أن الطائف خرج من الخدمة وعلينا البحث عن بديل يتناسب مع المرحلة التي يمرّ بها لبنان، وأن النقاش حول تطوير النظام واحدة من أقسى الخلافات اللبنانية، خصوصا في السجالات الدستورية المرتبطة بصلاحيات الرؤساء الممثلة بشخصيات تمثل الطوائف الرئيسية الثلاث “السنية والشيعية والمارونية”، معتبرًا أن صلاحياى الرئاستين الثانية والثالثة تقدمتا على الأولى من خلال “القضم” من صلاحياتها عبر “الطائف”، وقد آن أوان البحث عن عقد جديد ومن الأفضل أن يكون “على البارد” وبالاتفاق بين المكونات اللبنانية، مقدّمًا تصور تياره بدولة مدنية لامركزية موسّعة حدودها دولة لبنان الكبير ..

تقف أحلام باسيل برئاسة الجمهورية على رأس أولوياته، وهو يدرك أن العقوبات الأميركية عليه قوّضت إلى حدٍّ كبير من طموحه، وهو “المبلل” فلماذا سيخشى من الغرق ؟، فبنى نظرته الاستراتيجية من خلال الرهان على تبدلات قد تطرأ على سياسة واشنطن في عهد بايدن وتحديدًا في مواجهتها مع إيران، عبر خلق توازن جديد مع دول الخليج التي أعادت رص صفوفها، وهو بهذا يربط المسألة اللبنانية برمتها بالتسوية الأميركية – الايرانية المرتقبة ..

يرفع باسيل سقف معركته، إذ لم يعد موقعه كـ “صهر” كافيًا لتعبيد الطريق أمامه نحو قصر بعبدا، وأرهقه كثيرًا تأدية دوره “في الظل”، ويبحث عن مسار ليثبت فيه أحقيته بموقع الرئاسة، فيقول للرئيس نبيه بري لنا تفسيرنا الخاص للدستور، ويقول للحريري لن تحكم البلاد ونحن فيها، ويقول لحزب الله حلفاء نعم لكن سلاحكم مشكلة، ويقول لجعجع وفرنجية لن تصلوا بعبدا ما دام في عروقي نبض، وللمسيحيين يقول أنا الحريص على حقوقكم ومصالحكم ..

أنهى جبران باسيل مؤتمره الصحفي، وأنهى معه وضع آخر قطعة من “البازل” في مكانها الصحيح، معركتنا مع “الطائف” هي أم المعارك، لن نقبله بعد الآن كعقد يتحكّم بمصائرنا، نريد تغييره وفقًا لرؤيتنا، واضعًا مصير لبنان واللبنانيين في مهب الريح والجوع والمرض، وأنهى معه أيضًا آخر أمل بولادة “حكومة المهمة” وقاطعًا الشك باليقين، أي حكومة من دون الإمساك بقرارها لن تمر، فأنا جبران باسيل وبعدي الطوفان ..  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق