مقالات

الأمن في بعلبك والمسؤولية الضائعة

حسين حمية

رأيان تصديا للتفلت الأمني في بعلبك المدينة ومحيطها، بالوقوف عندهما يمكن تحسس كيفية حل هذه العقدة الآخذة بالتمادي والاستفحال، مع ما تجرّه من مصاعب لسكان المنطقة، لجهة الحفاظ على سكينة عيشهم الأهلي وتحصيل معاشهم وإدارة أرزاقهم وممارسة حقوقهم.

الرأي الأول، صدر عن هيئة لها وزنها في المنطقة وعلى تماس بالشأن الأمني وملاحقة المعنيين بهذا الموضوع، هذه الهيئة ضمّت وزراء ونوابا وفعاليات من المنطقة، وعرضت مسألة التفلت الأمني في المنطقة في اجتماع لها منذ حوالى أسبوع، وكانت خلاصته تحميل المؤسسات العسكرية والأمنية مسؤولية ما يجري في بعلبك وجوارها من حوادث تروع المواطنين وتنكّد عليهم حياتهم وتضعف من هيبة الدولة واحترام القانون، وعرض الوزراء والنواب شواهد على سعيهم لدى هذه المؤسسات التي لم يلقوا منها أي تجاوب.

الرأي الثاني، هو ما تسرّب من مداولات في الاجتماع الأخير لمجلس الدفاع الأعلى الذي انعقد أيضا منذ حوالى أسبوع، وفيه قيل كما نقلت إحدى الصحف وتمت إعادة نشره على “مناطق نت”، أن بعلبك باتت مسرحا لصراع على النفوذ بين المجموعات الخارجة على القانون، فارضة أمر واقع ومراكز وقوى”، والأكثر من هذا أن هذه المجموعات تحولت إلى “مصدر تهديد دائم لمن يسعى إلى كبح جماحها ووضعها عند حدها، بحيث لا تتوقف رسائل التهديد بالخطف والقتل التي تصل إلى ضباط وعسكريين في حال تنفيذهم قرار ملاحقتهم رؤوس هذه العصابات وأفرادها”، وكان الحل برأي المجلس المذكور ” عودة الدولة بكل مؤسساتها أمنياً وإنمائياً إلى منطقة بعلبك، وأن لا مظلة فوق رأس أحد ولا تهاون في اجتثاث هذه الحالة الخطيرة بكل الوسائل”.

العقدة واضحة هنا، القوى الفاعلة على الأرض سياسيا وشعبيا وتمثيليا تتهم المؤسسات الأمنية بالتقاعس والتقصير، والمؤسسات الأمنية بدورها تتهم القوى المذكورة بالتغطية وعرقلة عملها، وكلا الطرفين له أدلته وإثباتاته على ما يقول، وهنا يطرح السؤال، لماذا تتجمد الأمور بهذا الشكل وما المخرج؟

من المنطقى أن تكون الخلافات السياسية الكبرى على مستوى الوطن سببا في استمرار هذه المعادلة الجامدة وعدم حلحلتها، خصوصا أننا في بلد تم فيه تحاصص الأمن وتوزيعه طوائفيا، فبات الأمن جزءا من اللعبة السياسية، يختلف بالجودة والرداءة تبعا للهوية الطوائفية لهذه المؤسسة أو تلك، وفيه أيضا تغتذي الزبائنية السياسية وجمع الأنصار وكسب المؤيدين بالتغطية على مخالفة القوانين والأنظمة، لكن ما يجب إدراكه، هو أن مثل هذه السياسات تحتملها مناطق معينة راكمت تاريخيا على فكرة الدولة وأفادت من خيراتها، لكن في منطقة بعلبك التي يتم تشريبها فكرة الدولة بالقطّارة وعلى جرعات لاختلاق الأعذار من إهمالها وحرمانها سيكون لهذا التراكم وجهة أخرى.

لقد أحدث التفلت الأمني فعلته، وحجم اقتصاد الجريمة والخروج على القانون آخذ بالنمو والاتساع في المنطقة يوما عن يوم، بفعل تزايد الخبرة وتزايد المنخرطين به وانفتاخه على “خدمات إجرامية” لعصابات وأشخاص في مناطق أخرى يلحون على طلبها بأسعار تشجيعية، وهذا سيؤدي إلى تحول اللاأمن مصلحة ومنفعة، له من يدافع عنه وينشر ثقافته، وهذا ما يضاعف من أكلاف مكافحة التفلت الأمني في المنطقة على الدولة.

الأمن في منطقة بعلبك، يحتاج إلى رؤية وليس إلى خطة، لقد أثبت جميع الخطط الأمنية التي وضعت للمنطقة قصر مدة مفاعيلها، فهي علاج ابتدائي، فالحل الأمني المستدام، هو برؤية جديدة، تأخذ بكل الاسباب والعوامل التي تضعف حضور الدولة والقانون والنظام في المنطقة، وتكون نقطة الانطلاف بفصل السياسة عن الأمن أقله عند مستوى معين وخصوصا في بعلبك، وكذلك إضعاف اقتصاد الجريمة ببعض المشاريع الإنمائية وتشريع أرباح التهريب والخروج على القوانين بإلزام اصحابها باستثمارها بطرق شرعية بعد تدفعيهم لمصلحة مشروعات تفيد المنطقة مجانا، وتجفيف الطاقة البشرية لمعسكر الخارجين على القانون بإقرار قانون للعفو العام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق