قضايا ومتابعات

متى يقول المسيحيون لـ ” ميشال عون ” : كفى ؟
خالد صالح

مناطق نت – البقاع

بين الخطاب التاريخي الذي ألقاهُ البطريرك إلياس الحويك في “قصر فرساي” سنة 1920 وبيان المطارنة الموارنة الأوّل في أيلول من العام 2000، ثمانية عقود من البحث الدؤوب لدى الطائفة المسيحية عمومًا والمارونية على وجه الخصوص، عن المفاهيم الحقيقية التي تُكرّس الوطنية السياسية وليس الدينية السياسية ..

رغم التقّلبات في “بارومتر” الأحداث التي شهدها لبنان عبر ثلاث مراحل تنقسم إليها مئويته الأولى، مرحلة الانتداب (1920-1943)، مرحلة الجمهورية الأولى(1943-1990)، ومرحلة الجمهورية الثانية (1990- 2021)، لم تعرف المسيحية السياسية التخبّط الذي تمرّ به اليوم، ومردّ ذلك إلى ابتعادها عن العناوين التي حملتها وكانت مؤتمنة عليها ودافعت عنها، بدءًا من السيادة والاستقلال وانتهاءً بلبنان وطن نهائي لجميع أبنائه ..

لطالما كانت ميزة هذا الوطن الصغير تنوّعه الطائفي والمذهبي وغناه الثقافي والفكري، إضافة إلى ترسيخ مبادىء التعايش الحر بين مكوّناته، ولعل الصورة الأشمل التي يمكن ذكرها في هذا السياق ما كان يردده الرئيس الراحل صائب سلام “لبنان العيش المشترك بين جناحيه المسلم والمسيحي”، هذا الـ “لبنان” الفريد، لبنان الصيغة والميثاق الذي وضع مداميكه الأولى بشارة الخورى ورياض الصلح، لبنان التنوّع والتعدّد ضمن الدولة الواحدة ..

تجسّد الدور المسيحي في ولادة الكيان اللبناني عبر رجالات كبيرة شاركت إلى جانب نظيراتها المسلمة في ترسيخ مفهوم الوطن السيّد الحر والمستقل، ورأت في قيامة الدولة “الدرع” الذي يحمي الدور والوجود، فهم ليسوا بحاجة إلى خيارات “أقلوية” تعارض جوهر وجودهم ودورهم، لأنهم في كل مرّة حاولوا أن يسلكوا طريقًا مغايرًا، كانوا كمن يُطلق النار على قدميه ..

لم تكن وثيقة الوفاق الوطني في الطائف سببًا في حال “التخلّي” التي تعيشها الطائفة المسيحية في الوقت الراهن، فالطائف أسّس للسلم الأهلي، انطلاقاً من مفهوم جديد للشراكة يقوم على “العيش معًا مواطنين مختلفين ومتساوين” على ما كان يردد الراحل سمير فرنجية، وأعاد تكوين السلطة على قاعدة التوازن بين السلطات، بعيدًا عن الديموغرافيا (“أوقفنا العد” على ما كان يردد الرئيس الشهيد رفيق الحريري)، وحجم الطوائف التي يكفل الدستور حقوقها ودورها، ولم يعد رئيس الجمهورية مطلق الصلاحيات، بل أصبح مؤتمنًا (ضع خطًا أحمر تحت كلمة مؤتمنا) على الدستور وضامنًا للسلطات، ويضطلع بدور الرمز و”الحكم” بين اللبنانيين، وهذا كان في مصلحة المسيحيين، وفي أساس الحفاظ على لبنان التعددي، ومنطلقًا لإعادة تشكيل الدولة على أسس الشراكة والمساواة بفعل قوة التوازن لا توازن القوى ..

سلب نظام الوصاية السورية المسيحيين القدرة على التحرّك كـ “قيمة مضافة” على السياسة اللبنانية، وشكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 فرصة تاريخية لاستعادة دورهم السيادي الحقيقي، وجاءت مشاركتهم العفوية والكثيفة في 14 آذار لتعيدهم إلى قلب الخارطة السياسية ودائرة القرار، لأنهم عندما كانوا ينكفئون أو يساومون على الثوابت بخيارات طائفية أو فئوية، كان مصيرهم التهميش أو الغرق في الإحباط، فمعركة استعادة سيادة الدولة لم تنته مع خروج الجيش السوري، بل شكّل ذلك المدخل لاستعادة الدولة من التحلّل والتفكك والاندثار والذوبان في عناوين “دويلات” تعمل على السيطرة على القرار اللبناني وتمنع قيامها ..

ليس أدلّ على ذلك من تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية سنتين ونصف من أجل فرض الرئيس الذي يناسب تطلعات الدويلة وليس الدولة، رئيس يضع لبنان خارج بيئته العربية في مواجهة المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي ساندت قيامة الجمهورية الثانية بدءًا من القرار 1559 وانتهاءً بالقرار 1701 الذي أعاد الدولة والجيش اللبناني إلى الجنوب ..

شكّلت حالة العماد ميشال عون لدى عودته إلى لبنان في أيار 2005 بارقة أمل في أن يستعيد المسيحيون دورهم التاريخي في كيانية الوطن اللبناني، لكنه بدلًا من ممارسة الأبعاد السيادية إرتأى سلوك الترويج لمناخ فتنوي عبر تحذير المسيحيين من “نوايا مبيّتة” لدى المسلمين بالسيطرة على الدولة والاستئثار بالسلطات على نطاق واسع، ورسم في مخيلتهم أن المعركة الحقيقية هي معركة مناصب وحصص ووظائف، ولعب على عواطفهم في أكثر من محطة تحت عنوان برّاق ” حقوق المسيحيين”، وأن وجوده يشكل حماية لهم من “الغول المسلم” ليزداد توغّلًا في طروحاته الطائفية، نحو المسلمين عمومًا والطائفة السنّية على وجه الخصوص ..

اعتبر عون أن هذا المسلك سيشكل له ورقة عبور نحو رئاسة الجمهورية، فمارس “تسلّطًا” لا “سلطة”، رافعًا معادلة بسيطة “إما أنا رئيس للجمهورية أو لا أحد”، اختصر حقوق المسيحيين ودورهم بشخصه منفردًا، وكال الاتهامات (وتحديدًا للطائفة السنية) بالتآمر عليه، لكنه سعى إلى تسوية مع الرئيس سعد الحريري (السنّي) لتحقيق مبتغاه وحلمه الرئاسي، وقد تحقق ..

فأين هي اليوم “حقوق المسيحيين” ؟، الحقوق التي يدّعي عون وتياره الذي يعتبر “المسيحي الأقوى” في طليعة المطالبين بها بعد أربع سنوات ونيّف من وجوده على رأس البلاد، نزاع كبير مع الموارنة، محاولة مقيتة لابتزاز السنة، خصومة مع الدروز، توتر دائم مع قسم من الشيعة، نقمة لدى الأرثوذكس والكاثوليك، خلاف في العمق مع كل العرب، عزلة دولية شبه كاملة، عقوبات دولية طاولت الحلقة العائلية والضيقة حوله، وانتفاضة شعبية لم يشهدها لبنان من ذي قبل، وانفجار من الأضخم على مستوى العالم ضرب العاصمة، وانهيار اقتصادي ومالي وصحي، وتحلل اجتماعي وأمني غير مسبوق ؟ ..

هل “حقوق المسيحيين” ودورهم ووجودهم من خلال وجود “رئيس صوري” على رأس الهرم؟ وهل دورهم يُختصر بـ “ثلث معطّل” من هنا، أو بـ “حقائب وزارية دسمة” من هناك؟، المسيحيون اضطلعوا عبر تاريخ لبنان بأدوار مفصلية كبرى، ووضعوا الأسس التي قام عليها هذا الوطن، انطلاقًا من مواقف بكركي وصولًا حتى آخر قيادي منهم ..

اليوم، يكاد ينحصر الدور المسيحي “المترنّح” في إطار ضيّق من المصالح الشخصية والأحلام الرئاسية، ورؤاهم تتقلب ذات اليمين وذات الشمال، من دون أي دور وطني وازن، ومن دون أي مشروع حقيقي واضح ومقنع، وعليهم استعادة دورهم الريادي خصوصًا في هذا الظرف المفصلي من عمر لبنان، وسط المتغيرات الجذرية المنتظرة على الصعيدين العربي والاقليمي، والتخلّي عن “لعبة التنافس” على كسب الساحة في ظل شعارات طائفية وشعبوية تُقلص من قيمة دورهم وحضورهم ووجودهم ..

عام 1955 كتب ميشال شيحا، أبو الدستور اللبناني: “لبنان بلد لأقليات طائفية متشاركة فلا إمكان لصموده السياسي مدة طويلة من غير هذا التشارك في مجلس نيابي يكون مكان لقاء وتوحيد الطوائف، فحين نلغي المجلس ونلغي الشراكة، نكون قد نقلنا الجدل حتمًا إلى المحراب”..

الشراكة إذًا، وليس الغلبة أو الاستقواء بمحاور خارجية أو السعي إلى إقامة “حلف الأقليات الطائفية”، فليس أمام المسيحيين غير خيار الدولة، ألم يدركوا بعد أن زمن “الطائفة المميزة” قد ولّى، وأن الهمّ المسيحي لا يمكن أن يكون ذاتيًا أو فئويًا؟، إن دورهم ليس في “الالتحاق” بالشيعة أو بالسنّة، وليس، في الوقت عينه، بالوقوف على الحياد، بل في لعب دورهم المركزي والجامع لكل اللبنانيين، عبر السعي إلى إعادة بناء الدولة، إن أدق وأجمل تعبير عن لبنان، دولة التعدد والتنوع والعيش المشترك، “بيت بمنازل كثيرة” ..

ألم يحن الأوان للمسيحيين أن يقولوا لـ “ميشال عون” كفى ؟ ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق